الرئيسية / آراء / إلزامية الإستصلاح الزراعي لضمان الأمن الغذائي/ عبد القادر محمد

إلزامية الإستصلاح الزراعي لضمان الأمن الغذائي/ عبد القادر محمد

الكثيرون ينتظرون بحرقة توقف الإجراءات الإحترازية لكي يعودون لحياتهم الطبيعية و العودة لما كانوا عليه قبل الكوفيد-19. و الأغلبية من بين هؤلاء يجهلون او يتجاهلون أن العالم قبل الكورونا لن يكون هو نفسه بعد نهاية الجائحة ؛ تماما كما يختلف العام 2019 عن 2020.

اليوم يعيش العالم ازمة صحية خانقة عطلت الكثير من المشاريع العملاقة و تسببت في شلل الإقتصادات العالمية الكبرى ، و هو ما جعل الخبراء الإقتصاديين الدوليين يجزمون بدخول العالم في أزمة عالمية كبيرة تتمثل في ركود إقتصادي عنيف حيث سترتفع معدلات البطالة و الفقر و تتفاقم المجاعة و تنتشر معها الأزمات الإجتماعية و السياسية ، فكل مشكل مهما كانت طبيعته هو في الأساس مشكل إقتصادي لم يجد حلا، و لعل كل هذه الظواهر التي ستتسبب بها الأزمة الإقتصادية هي نتاج طبيعي للركود المتوقع على مستوى الإقتصاد العالمي.

إن الحديث عن الأزمات الإقتصادية يقود دوما للحديث عن الإكتفاء الذاتي قصد ضمان الأمن الغذائي(الأكل و الشرب) بمعنى آخر تحاشي الجوع ، و هذا الإكتفاء الذاتي لا يمكن أن يتحقق ما لم تهتم الدولة بالقطاع الزراعي و تطويره و إستغلاله إستغالا أمثل يخفف من حدة الأزمة. فمن يضمن أن الدول التي تصدر لنا اليوم حاجتنا من المواد الغذائية لن تضطر لقطعها من اجل سد حاجاتها الداخلية ؟ ماذا سنفعل لو إضطرت هذه الدول ان تتوقف عن تمويننا تحت وطأة الوباء و نتائجه؟ هل سنقف عاجزين عن تحقيق إكتفاءنا الذاتي و ضمان الأمن الغذائي ؟ ألا يرد فينا المثل القائل جاور الماء تعطش ؟ ما هي العوائق التي تقف أمام الاستصلاح الترابي ؟ و اي دور يمكن ان تلعبه المقاولات الصغيرة في خضم هذه الجائحة؟

إن الحديث الإكتفاء الذاتي و الأمن الغذائي يمر حتما عبر الوعي بأهمية الإستصلاح الزراعي الفعال و ليس فقط إنفاق الاموال في إستثمارات غير مدروسة العوائق و العقبات و غير مضمونة النتائج. كما الحديث عن الزراعي يحفز على العودة قليلا لمصلطح الإستصلاح الترابي و بعض مرتكزاته فقد ظهر لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية و تحديدا في مدينة نيويورك ليحمل عدة تعاريف نظرا لشموليته ، غير أن التعريف المختصر لهذا المصطلح هو أنه *وضع او إعطاء قيمة للموارد الموجودة في الحيز او المنطقة الجغرافية*. و بالنسبة للحكومات الموريتانية المتعاقبة لطالما وضعت سياسات في هذا المجال قصد إعطاء السياسات الإقتصادية طابعا وطنيا ، غير أن الكثير من السياسات الإستصلاحية باءت بالفشل نتيجة لعوامل عديدة يأتي الفساد و الزبونية و المحسوبية على رأسها ؛ إلى جانب مركزية القرارا و التخطيط و إحتكار رسم السياسات التنموية من طرف الدولة. حيث أن البرامج الإصلاحية التي تم تطبيقها لم تتخلص من المركزية التي سيطرت عليها فغيبت بذلك التجمعات المحلية من صنع برامج إستصلاحية تراعي الواقع و تتطرق لكل الجوانب – كما يقال في المأثور أن أهل مكة ادرى بشعابها – و يقول المنطق أن الهيئات المحلية ادرى بمصالحها و متطلباتها و هو ما يجعل الدولة مجبرة على أن أن توفر الأرضية الخصبة لتطبيق أي إستصلاح يأتي من الهيئات المحلية التي هي الجهات المباشرة للساكنة و المنتخبة من طرفها و المفترض ان تقدم خططا تنموية مدروسة .

هذه المركزية التي اعتمدتها الدولة منذ نشأتها و عدم رغبة الحكومة في الإشراك الفعال للجهات المنتخبة من طرف الشعب ( *البلديات*) مثل أحد اهم معوقا التنمية خاصة في مجال الإستصلاح الزراعي ، و على الرغم من ذلك و تحت إصرار الشركاء الدوليين فقد تم تمرير عدة برامج ، كما أن برامج الإصلاحات الهيكلية التي شهدتها البلاد منتصف ثمانينات القرن الماضي لم يكتب لها النجاح و الرقي بالبلاد و العباد إلى مراتب متقدمة في صفوف الدول النامية ، فرغم ان العام 2009 شهد حراكا حكوميا و تشريعيا لتوجيه الإستصلاح الزراعي إلا أن الحكومة ظلت متحفظة على صلاحياتها إتجاه الهيئات المحلية و بالتالي إستمرت اللامركزية و تقييد البلديات و تعطيل ادوارها التنموية ؛ و هو ما جعل إعطاء القيم للموارد الموجودة و إستغلالها بطرق نموذجية يبقي ممركزا في يد السلطة و حكرا من طرفها دون الهيئات المحلية .

اليوم و بعد إعادة هيكلة صناعة القرار عن طريق إستحداث جهات تسييرية ذات صلاحيات تنموية مكتملة ينبغي أن تطبق الدولة لامركزية حقيقية خاصة في الداخل ، و ذلك بطريقة يتم فيها إشراك الهيئات المحلية المنتخبة عن طريق ترك المجال مفتوحا أمامها لإجراء دراسات و بحوث جدية بغية الوقوف على الحاجيات الكاملة للمناطق ، كذا معرفة مقدرات الأرض و طرح خطط لإستغلالها إستغلالا نموذجيا يضمن الوصول للتنمية المستدامة.

موريتانيا التي باتت تعتمد على الهبات و المنح النقدية و المساعدات الرسمية لا ينقصها سوى الوعي بأهمية الإستثمار في القطاع الزراعي حيث أن البلد يتوفر على ما يزيد على 36 ألف هيكتار غير مستغلة، و قد أطلقت حملة زراعية في سنة 2010 – 2011 لكن هذه الحملة التي كان الهدف منها هو كان زرع ما يقارب عشرين ألف هكتار بائت بالفشل نتيجة اعتبارات عدة. و خلال العامين (2016-2017) وصل الإنتاج الوطني ل 82000 طن من الذرة البيضاء و 207.3 من الأرز و 17.1 من الذرة الصفراء و الشعير ، كما أن المساحات المزروعة سنويا من الخضروات تتروح ما بين 1500 الى 3000 هكتار في حين يتراوح الإنتاج بين 20000 الى 30000 طن من اصل 300000 طن تشكل حاجة السوق الكلية. هذا النقص في معدلات الإنتاج يتم التغطية عليه بواسطة الواردات حيث بلغ حجم الواردات من المواد الغذائية لعام 2017 م 166.8 مليار اوقية قديمة هي بالأساس موجهة للإستهلاك فنحن للأسف شعب يستهلك بقوة و لا ينتج الأساسيات حتى.

و في الأخير ينبغي أن يدرك الجميع أن موريتانيا ليست كوكبا منفصلا عن الأرض و لا حالة إستثنائية بين دول العالم الثالث ، لذلك ينتظر أن يكون تأثير الأزمة كبيرا جدا في حالة لم تبادر الدولة إلى إحتواء الوضع عن طريق توجيه البوصلة نحن الإستثمارات الزراعية الضخمة التي من شأنها إمتصاص يد عاملة كبيرة، إلى جانب تشجيع و ترقية المقاولات الصغيرة خاصة المقاولات الزراعية، و هنا يجب أن يمر الأمر عبر تكوين يد عاملة تراعي متطلبات سوق العمل و توفير المعلومة اللازمة للمقاولين الشباب ثم توفير السيولة الضرورية لكي يبدء هؤلاء مقاولاتهم خاصة في المجال الزراعي. و هذا الأمر لحساسيته و ضرورة وجوده ينبغي أن يتم بطرق سليمة تبتعد عن الفساد فنحن شعب يعيش للاسف على الزبونية و المحسوبية و الفساد في كل شيء، و عليه ما لم نبتعد عن هذه الممارسات فسيبقى أي إستصلاح زراعي معرضا للفشل خاصة إن لم ينطلق من حل مشاكل جوهرية تتعلق بالإصلاح العقاري و أحقية ملكية الأراضي الزراعي و التي تتميز اليوم بوجود ملاك أراضي غير مزراعين ، و مزارعين لا يملكون أراضي الشيء الذي يكبح النهوض بالقطاع الزراعي و يعرقل تحقيق الإكتفاء الذاتي الضامن للتنمية المستدامة.

 

شاهد أيضاً

الجريمة لا لون لها / معمر ولد محمد سالم

يجب أن نقف مع المظلوم مهما كان لونه أو عرقه، و يجب أن نقق ضد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *