الرئيسية / آراء / الفاحش والفاجر/عباس ابرهام

الفاحش والفاجر/عباس ابرهام

لا يستوي الفاجِرُ والفاحِش، ولو أعجبك كثرة الفحش. وتاريخ المفهمة الدِّينية للفحش والفجور هو إدغامُهما. فالفحش صنو الفجور في الدِّين. إلاّ أنّ قانون تقسيم العمل في الوعظ قد شاء أنْ تكون الفاحشة رذيلة جنسية والفجور هو المجاهرة بالمعصية. فالأوّل يعتمِل في السِّرّْ والثاني يعتمل في العلن.

وليس ذلك بشيء في كلام العرب؛ ولا حتّى في الفِقه. والفِقه الأصيل يتعالى على دهماوية الوعظ. فحديث فاطمة بنت قيس يظهر أن الفاحشة ليست الزنا وإنّما البذاءة في اللسان. وبالأصل كان الفاحش البخيل. هكذا عرفه طرفة بن العبد. وهكذا عرفه القرآن: “الشيطان يعدُكم الفقر ويامرُكم بالفحشاء” (أيْ التقتير). ورغم أنّ البروباغاندا الدِّينيّة لم تستخدِم كلمة الفاحشين ضدّ مانعي الزكاة في حروب الردّة، إلاّ أنّ الفيروزأبادي- بعكس الزبيدي- واضح في أن الفحشاء هي البخل.

وتكمنُ مفارقة الفاحشة في أنّها تدلّ على البخل بالمال كما تدلُّ، في عين الوقت، على الإسراف في القول البذيء. فالفاحش يُقتِّر حيث يفترض به الكرم ويُسرِف حيثُ يُفترضُ به التقتير. ومن “الأصدِقاء” من يُقتِّرُ في المودّة ويُسرِفُ في الخصومة. أو يُسرُّ بالمودّة ويُجاهر بالفحش.

أما الفاجِر فهو أمرٌ آخر. ومرّةً أخرى سُرِقَ هذا المفهوم من قبل الوعظ. فقد اعتُبِرَ الفجور فسوقا وميل به إلى الزنا، الغلطة الفرويْدية الأبديّة في الوعظ. وهذا اختزال يختطِف الدلالات الخصبة للكلمة. فقد بقيت الصفة لوقتٍ تدلُّ على رجال الأعمال البطرين، فاحِشي الثراء. وقد نجت هذه الدلالة إلينا من خلال صفة “التاجر الفاجِر”. وتوجدُ هذه الصفة في نقد ابن الرّومي لرجال الدِّين المستثرين:

ربِّ أطلِق يدَيَّ في كُلِّ شيْخٍ
ذي رِياء بسَمتِه وسكــــوتِه
تاجرٍ فاجِــرٍ جمُوع منــوعٍ
يُرهِقُ النّاسَ باقتِضاء ديونِه

ورغم أن صفة الفحش والفجور قد استُخدِمتا ضدّ رجل الأعمال إلاّ أنّها دلّت على جوانِب مختلِفة فيه. ففجوره يعني كسبه غير المشروع وتعاظم ثروتِه، أما فحشُه فيعني غياب التزاماتِه الاجتماعية وطغيان بخله. والفجور، عموماً، هو النكث بقواعِد اللعبة. فهو التدنيس وتحدي القداسة، ولذا سُميّت الحروب في عزِّ الأشهر الحرُم بحروب الفُجار.

وبنفس الطريقة فإنّ الفجور في الحوار هو النكث بقواعد المناظرة وآداب النقد. وهكذا عرف المناطِقة الفاجِر. فهو يُشخصِنُ الحوار، بدل أنْ يتناول الأدلّة. وهو يردُّ على مجادلات ومُحاججات خصومِه بالقدح في شخصِهم وأشكالِهم وألوانهم وروائحهم وعلاقاتِهم الشخصيّة. ولمّا كان الفجور في الخِصام، وهو النزو عن المجادلة إلى الهجاء، صفة الجهلاء فإنّه اليوم استراتيجية ليس فقط لهوليغانز السياسة وغلمانها، وإنّما هو ممارسة لعلية القوم.

شاهد أيضاً

شهادة في حق رئيس حركة إيرا بيرام الداه اعبيد

ما أعرفه عن الرئيس بيرام داه عبيد. يمكننا أن نختلف مع هذا الرجل ، لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *