الرئيسية / مقالات / في العنصرية…أو بحثا عن تحديدات المفهوم/ محمد محمود محمد البشير

في العنصرية…أو بحثا عن تحديدات المفهوم/ محمد محمود محمد البشير

إن أقرب تعريف مبسط للعنصرية هو أنها الاعتقاد بأن هناك فروقًا وعناصر موروثة بطبائع الناس و قدراتهم وعزوها لانتمائهم لجماعة أو لعرق ما – بغض النظر عن كيفية تعريف مفهوم العرق – وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا.كما يستخدم المصطلح للإشارة إلى الممارسات التي يتم من خلالها معاملة مجموعة معينة من البشر بشكل مختلف ويتم تبرير هذا التمييز بالمعاملة باللجوء إلى التعميمات المبنية على الصور النمطية وباللجوء إلى تلفيقات علمية. 

وهي بهذا المعنى كل شعور بالتفوق أو سلوك أو ممارسة أو سياسة تقوم على الإقصاء والتهميش و التمييز بين البشر على أساس اللون أو الانتماء القومي أو العرقي.

وعلى ذلك فقد ورد في المادة الأولى من الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز أن “المقصود بتعبير “التمييز العنصري” أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة.”

في اللّوحات الجدارية التي تشكل مقوما أساسيا من مقومات الفن الكاثوليكي،يظهر القديس أوغسطين المولود لأب أفريقي وأم أمازيغية، في صورة رجل أبيض لاتختلف ملامحه عن فلاسفة الإغريق أو قياصرة روما، ورغم أن جوهر المسيحية هو تجاوز لكل التحديدات القومية  ” فالله ليس محابيا،‏ بل في كل أمة،‏ مَن يخافه ويعمل البر ليكون مقبولا عنده”

غير أن المسيحية كغيرها من الديانات ارتدت رداء القومية والتعصب،إذ ليست العنصرية قدر إلهي بقدرما هي جناية وافتراء على ملكوت السماء.

أما التراث الإسلامي فيبرز بوضوح ثنائية العرب والعجم كمحدد أساسي لمكونات الأمة، ورغم الروح العالمية للدين الإسلامي مقارنة مع الطبيعة المانعة في التراث اليهودي، إلا أن المخزون الأدبي العربي مليء بمفردات الاستعلاء والشعبوية ومن ذلك قول المتنبي:

وإنما الناس بالملوك وما

تفلح عرب ملوكها عجمٌ

لا أدب عندهم ولا حسب

ولا عهود لهم ولا ذممٌ.

لم يسلم الفقه السياسي الإسلامي هو الآخر من تأثير العنصر القومي فقد حددت مقولة “الحاكم القرشي” ملامح ومكونات  الحكم السياسي في الإسلام، رغم أن أعمدة الحضارة الإسلامية وبناة مجدها جلهم من غير العرب على النحو الذي بينه ابن خلدون في المقدمة.

يعتبر  عبد الحليم محمود -وهو شيخ الأزهر السابق، أن المسلمين اليوم مدينون للخوارج في مسايرتهم لأنماط الحكم الحديث على اعتبار أن  الأدب السياسي الخارجي أخرج الشرط القرشي من متطلبات الحكم وهو ما تمارسه الدول الإسلامية اليوم.

في محاضرات تاريخ الفلسفة يقول هيجل(إن الفلسفة هي الكلُّ المتعدد الأشكال،إنها تعكس روح شعب من الشعوب، ديانته، فنه، معماره وتنظيمه السياسي).

ووفق هذا التحديد فإن الفلسفة إنما هي تعبير عن روح العصر، لذلك لم يخرج الفلاسفة كثيرا عن تحيزهم القومي منذ أفلاطون وحتى هيجل، غير أن تاريخ الفلسفة ظل يكشف عن وميض خافت يصدع في وجه العنصرية بين الفينة والأخرى، فقد طرح اسبينوزا الفيلسوف  “المارق” على الجماعة اليهودية، استبيانا فيللولوجيا سعى من خلاله لزعزعة نظام الحّجة القومية عند اليهود الذي رسخته البنية التأويلية للعهد القديم فبحسب اسبينوزا يتنزل الدين في أكثر معانيه تجريدا ضمن قيمتي العدل و الإحسان.

لقد قدم اسبينوزا  تفنيدا تاريخيا لأسفار العهد القديم التي استند إليها اليهود في الترسيم الأيدولوجي لعقيدة “شعب الله المختار ” ولم يتوقف  عند هذا الحد بل طال منهاجه النقدي الجغرافيا المقدسة  للشعب اليهودي “القدس والهيكل”  التي اعتبر أنها فقدت معناها التاريخي بعد التيه اليهودي، ولم يعد في العالم الحديث مكان لتقديس جغرافيا بعينها.

ومع التطور البنيوي والمنهجي في العلوم الحديثة انتقل صراع القوميات من مجال الفكر والأدب إلى حيز التأصيل الامبريقي، أي محاولة إضفاء صفة العلمية على أيديولوجيا التفوق العرقي.

ففي منتصف القرن التاسع عشر أصدر الأرستقراطي الفرنسي آرثر دي غوبينو مقالا عن عدم المساواة بين الأعراق البشرية وزعم أن تمازج الأعراق سيؤدي إلى انهيار الحضارة لأن العرق الأبيض امتلك القوة و الذكاء بالأصل.

إلى جانب غوبينو وضع جورج دي بوفون ويوهان بلونباخ نظرية الانحطاط العرقي التي تعتبر أن الأعراق غير البيضاء قد انحطت بيولوجيا إثر عوامل بيئية.

غير أن مؤسس علم الأحياء الحديث تشارلز داروين فند  تماما كل الادعاءات التي تتبنى نظرية التفوق العرقي وتشرع لها تجريبيا، ومن ذلك يقول داروين: 

“من الأمور المشكوك بها هو إمكانية ذكر صفة مميزة أو ثابتة في عرق معين فالصفات تتدرج بين الأعراق، ومن الصعب اكتشاف صفات مميزة وواضحة بينهم،  ومن المستبعد أن تكون أوجه التشابه الثانوية العديدة بين أعراق الإنسان في البنية الجسدية والمقدرة العقلية  مكتسبة بشكل مستقل، بل يجب أن تكون موروثة من الأسلاف الذين امتلكوا نفس السمات”

رغم أن محاولات التأسيس التجريبي لأنماط التفوق العرقي قد باءت كلها بالفشل إلا أن ميادين علمية أخرى استقبلت بحفاوة منقطعة النظير مقولات التقسيم العرقي والحضاري، ومن بين هذه العلوم علم الانتربولوجيا الذي تكونت بنيته التأسيسية  على الفصل بين الثقافات الحديثة والبدائية، غير أنه ومنذ النصف الثاني من القرن العشرين استطاع عالم الانتربولوجيا الفرنسي كلود لفي شتراوس قلب تاريخ المسلمات التي أقامها الانتربولوجيون الكلاسيكيون،فقد اتخذ شتراوس من المنهج البنيوي أداة فعالة لتفكيك الفكرة العنصرية عن التفوق الثقافي و الانتقال من  انتروبولوجيا كولونيالية إلى انتروبوجيا إنسانية، فالشعوب الموسومة بالبدائية-كالهنود الحمر إنما امتلكت فضاءها الثقافي الخاص أي أن الاختلاف فى المصادر الثقافية لايؤشر على تقدم شعب من الشعوب وإذا أخذنا الموسيقى كمظهر ثقافي لحضارة معينة فإن اختلاف الأساليب الموسيقية الصينية عن نظيرتها في الغرب لا يعنى تفاوة في القيمة الثقافية لأي من الأنماط الموسيقية.

إن العنصرية كممارسة فردية ترتبط بشكل وثيق بالمناخ الثقافي  السائد في مجتمع من المجتمعات لذلك لا يمكن القضاء عليها بغير مواجهة فكرية  تجفف المنابع والأصول الفكرية التي يستقي منها الأفراد توجهاتهم، هذه المنابع قد تكون دوافع دينية أو تيارات سياسية وثقافية تتغذى على تنمية الكراهية، ولا نجد أفضل من عبارات الفيلسوف الألماني يورجن هابرماس لتعبر عن حجم المرارة التي يمكن أن يبعثها استمرار ثقافة العنصرية فى زمان العولمة بماهي إنسانية عابرة لكل التحديدات الهووية، يقول هابرماس في نص مطول:

“إن ما يبعث فعلا على الغثيان هو أن تجد مقولات ساقطة أخلاقيا وإنسانيا، من قبيل معاداة المهاجرين والسود والعرب والآسيويين تغذية مستفيضة  تارة من مشاريع دينية كما يحدث في أوساط الأمريكيين البيض الإنجليين، وتارة من خلفيات فكرية عنصرية آتية من تأويلات مخزية لفكرة الأمن الوطني أو الحق التاريخي أو ما شابه. منطق زئبقي ساقط يبرر الشيء وعكسه، يطبل له ذوو الياقات النظيفة وينفذه الجهلة على الأرصفة، ويدفع ثمنه المستضعفون الذين ما مرَّ التاريخ ونما إلا على أجسادهم”.

شاهد أيضاً

إن للألم عندي معنى، سيادة الرئيس ! /محمد فال ولد سيدي ميله

بنتٌ أنا، لكن لا كالبنات!!.. نهاري هراوات ومتفجرات ودخان وضرب بالعصيّ على المقاتل.. ليلي كوابيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *