الرئيسية / مقالات / من المثقّف إلى الواعِظ/عباس إبرهام

من المثقّف إلى الواعِظ/عباس إبرهام

———————
يوجدُ عندنا دارسون للفلسفة ومؤرِّخون للأفكار. ولكنّ الجمهور، في اهتمامِه بتصنيف وتفصيل أشياء كالوجودية والتطوّر والاشتراكية والرأسمالية والليبراليّة، هو ألهى منهم بغيرِ المتخصِّصين فيها من الوعاّظ والفقهاء والقصّاصين الذين لا يعرِفون ما يتكلّمون فيه. وكما هو مُجرّبٌ فإنّ من تكلّم في غير فنِّه أتى بالعجَب. وهذه ظاهِرة انحطاط، ليس فقط في موريتانيا، بل في عموم العالم العربي.

والواقِع أنّنا بصدَدِ تاريخ عالمي لأفول المثقّف وظهور الواعظ. ففي فرنسا، عاصمة الفلسفة، انهار المثقّف الشامل، وظهر الفلاسفة الجُدد أمثال أندريه غليكسمان، وهو ليس مثلَهم، وبرنار هنري ليفي وأريك زمور. مثقّفون تلفازيون. ورغم أنّ فلاسفة ما بعد الحداثة قد دعوا لنفي النسقيّة والسردية الكبيرة إلاّ أنّ هؤلاء من ليوتار ودولوز وفوكو ودريدا ظلّوا، بمعنىً ما، مثقّفين نسقيين. وعندما يموت ألان باديو فعلى الفلسفة الفرنسيّة العمومية السّلام. أما الفلاسفة الجُدد فهم أقرب للوعّاظ الذين سيطروا على العقل العربي. فهم يتكلّمون فيما يُشبِه التنمية البشرية. أمّا أميركا، التي كانت تابِعة فكريّة لأوروبا، فقد صارت اليوم مهيمِنة فكريّة؛ ولكن المُثقّف في أميركا منهك ويتعرّض لغزوات يومية من رأس المال ومن دور التفكير. وهو يقع في مؤخّر الأجور وهنالك حربٌ ما بين الاكاديمينن والمثقفين العموميين، فالأخيرون صاروا وُعاظاً.

أمّا في العالم الإسلامي هنالك عدّة جذور هيكلية لأفول المثقّف وصعود الواعظ. فالدولة الوطنيّة العربيّة قد انهزمت في التسعينيات على يدِ الطائفيّة. وقد حدث أوّل انتصار للطائفيّة في حرب لبنان 1975-1990. وسرعان ما بدأت الأنظمة العلمانيّة تتحوّل إلى أنظِمة طائفية في سوريا والعراق. لقد كانت القومية العربيّة هي مسرح التحوّل من العلمانيّة والحداثة إلى الوعظ. فقد كان من السّهل تحويل الأمة القومية إلى أمّة دينيّة. ومع تحويل القضية إلى قضية دينية استعيض عن المثقف بالفقيه. وقد تواكب هذا مع ضرب الأقليات الدّينية والعِرقية التي عاشت في كنف الإسلام قروناً (حتّى الوثنية ظلّت في العِراق حتى القرن السادس، قريباً من عاصمة الإسلام الحضارية، بغداد). ومن هنا حدث توحيد القومية بالإسلاموية، حِلف طويل لن ينتهي إلاّ في الرّبيع العربي. لقد كان هذا الحِلف، كما انفصامُه، انتصارً للهيمنة الملكية و الأميرية.

إنّ هذه التحوّلات الفِكرية من الوطن إلى الأمّة قد حفّزت ظهور مثقّفين جُدد. ومن هنا حدث انتصار الشعراوي وكشك. فأمّا كشك فقد كان واعِظاً شعبياً. وأمّا الشعراوي فقد كان مثقّفاً عمومياً بخلفية أصوليّة. كشك كان العامية الرثّة (lumpen)؛ أما الشعراوي فكان العاميّة المثقّفة. وفي العهد الليبرالي كان الشعراويون يأملون أن يكونوا مثقّفين. وقد نجحوا في ذلك من الأخوان عبد الرّازق إلى محمود شلتوت. إلاّ أنّهم مع العصر النيوليبرالي صاروا كشكيين. ولا يُفصل هذا الخطاب الأخلاقوي غير العالِم وغير النقدي عن انتصار عقيدة أيزنهاور، التي، كما اعترف مؤخّراً محمد بن سلمان، قد عبّأت المدّ الأصولي ضدّ الثورة العالمية، وقد حبّذت ظهور وعاظ بدل مثقّفين. لقد وصلت هذه الثورة المضادة إلى قمتِها مع ظهور التلفزيون فأطلِق آلاف الوُعّاظ، المتناسبين مع عصر السرعة، والذين صاروا يُطلِقون الأحكام السريعة عن الأشياء التي لا يفهمون فيها غير إطلالة غوغلية سطحيّة. ولقد تواكب هذا مع انهزام الجامعات والندوات وغزوها من قبل البلاهة.

إنّ البنية التحيتة للبلاهة هي عصر السرعة. فعصر السرعة لا يريد أنْ يعرِف، بل يريد أن يُطلِق الأحكام. وإنّ بُنيتَها هي النشاط الافتراضي. فالأطفال أقدر على استلهام الوعظ من النقد. وهم أسمع للوعظ منهم للفكر. لقد تمّ استبدال العروي وأركون والجابري وأبو زيد وحتّى طه عبد الرحمن بالعريفي والقرضاوي والقرني وسفر الحوالي وطارق السويدان. ورغم أنّ هذا يبدو تحوّلاً أيديولوجياً فإنّه أكثر كذلك في بنية المعرفة واقتصادها منه في نتائجها؛ ويجب أن يُنظر إليه في سياق كوني وليس فقط حِزبي.

شاهد أيضاً

بعضٌ من أشياء لاحقة/ عمر الشيخ

قامت إيرا وتأسست على أنقاض منظمات وحركات طابعها الجامع التحرر ولكنها مثلت الإستثناء ؛ منظماتٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *