الرئيسية / مقابلات / لقاء 27ابريل: مع البرلماني ورئيس حركة إيرا السيد برام الداه اعبيد(الجزأ الأول)

لقاء 27ابريل: مع البرلماني ورئيس حركة إيرا السيد برام الداه اعبيد(الجزأ الأول)


 
في إطار سياسة الانفتاح الإعلامي على رؤى وتصورات الطيف السياسي والحقوقي الموريتاني، ينظم موقع 27 ابريل سلسلة مقابلات مع قادة الرأي وصناع القرار تحت عنوان “لقاء 27 ابريل”.
 في هذا الإطار أجرينا الحلقة الأولى في جزأين مع البرلماني ورئيس حركة إيرا السيد برام الداه اعبيد، طرحنا عليه مجموعة أسئلة تهم الرأي العام تتعلق بالوضع السياسي الراهن وأفق الديمقراطية، والإعلام، ولحراطين، وقضايا العبودية في موريتانيا.
 وفي ما يلي الجزء الأول من المقابلة:
……………………………..
 
27ابريل الإخباري:  نرحب بكم الرئيس بيرام الداه اعبيد في إطار أولى حلقات سلسلة “لقاء 27  ابريل”  باعتباركم أول ضيوف السلسلة مع تمنياتنا لكم بموفور الصحة والعافية.
27 ابريل: ماذا تتوقعون بخصوص مستقبل المسلسل الديمقراطي الموريتاني وأفق المنافسة السياسية والانتخابية؟ وأين هو موقع حزب الرك من كل ذلك ؟
 
الرئيس بيرام الداه اعبيد: شكرا موقع 27 ابريل على الاستضافة، فيما يخص سؤالكم هذا، فإن المسلسل الديمقراطي -كما يعلم الجميع-  يعاني الكثير من العراقيل والمشاكل التي حالت وتحول دون أن يصبح مسلسلا ديمقراطيا حقيقيا منذ بدايته. والعراقيل التي تهمنا الآن في هذا الصدد هي استمرار مصادرة ركيزة أساسية من الركائز التي بنيت عليها الديمقراطية، ألا وهي الحريات العامة: أي حرية الضمير والتعبير والتظاهر السلمي والتجمع والتنظيم في إطار منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية, وحرية الترشيح والترشح.
كما أن هنالك مصادرة أخرى تهمنا أيضا، وتعتبر إحدى أهم الركائز الديمقراطية التي لا تقل أهمية عما ذكرنا سابقا، وهي حرية واستقلالية وشفافية هيئات التحكيم في الديمقراطية، فهذه الهيئات من ضمنها اللائحة الانتخابية. واللائحة الانتخابية تنضوي على كافة الموريتانيين البالغين الموجودين على أرض الوطن أو في الخارج، والذين يحق لهم بطبيعة الحال الإدلاء بأصواتهم  واختيار ممثليهم في الانتخابات الموريتانية سواء كانت بلدية أو جهوية أو تشريعية أو رئاسية. وهذا الحق ما يزال كثير من الموريتانيين ممنوعين منه. فمن جهة ما يزال هنالك العديد من الموريتانيين غير قادرين على التسجيل للحصول على الأوراق المدنية نتيجة للتنظيم العنصري والإقصائي الذي صمم عليه في الأساس إحصاء الموريتانيين ضمن سجلات الحالة المدنية، ومن جهة أخرى فإن اللوائح الانتخابية ما زالت تنظم بصفة أحادية من طرف النظام بحيث يكون هو الحكم والمنافس من خلال مرشحيه، وهو أيضا من يعد اللوائح الانتخابية. وهذه مشكلة  كبيرة فعلا تعاني منها الديمقراطية الموريتانية.
وفي نفس الإطار تأتي مشكلة هيئات أخرى كاللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات المُدّعَى أنها مستقلة مع أنها لم تكن يوما كذلك، ومن الأدلة على ما نقول الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت سنة  2019  والتي تم خلالها تشكيل هذه اللجنة  من الموظفين والشخصيات والأحزاب الموالية للنظام. وهذا ما جعل منها لجنة فاقدة للمصداقية عند المترشحين المنافسين لمرشح النظام وعند الكثير من الشعب الذي لا يثق بقراراتها، كذلك الأمر بالنسبة للرأي العام الدولي الذي لا يقبل قرارات هذه  اللجنة إلا على مضض وتحت إكراهات الدبلوماسية، أما في الكواليس فالمجتمع الدولي لا يرى لقراراتها أية مصداقية.
لذلك، فإننا نرى بضرورة تشكيل اللجنة المستقلة للانتخابات على الصيغة المتعارف عليها ديمقراطيا في العالم الحر كي يتسنى للمسلسل الديمقراطي أن يفرز نتائج حقيقية عادلة وذات مصداقية لدى الجميع.
ثمة مشكلة أخرى في هذا الإطار تتعلق بالمجلس الدستوري في موريتانيا حيث ينحاز هو الآخر لطرف النظام الحاكم، والدليل على ذلك يكمن في أن الرئيس الحالي لهذا المجلس كان أحد القادة الكبار في الحزب الحاكم، وفي فترة معينة -يمكن أن توصف بالاستثنائية- كان رئيسا للجنة تشخيص واقع حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم. ومن هذا المنصب الحزبي القيادي أصبح مباشرة رئيسا للمجلس الدستوري، وهذا، كما تعلمون، من الأمور المحرمة في جميع الأعراف والدساتير والقوانين الديمقراطية في العالم، إذ من غير المنطقي أن يكون الشخص قياديا في حزب معين ورئيسا لهينة تحكيمية بقدر مستوى وأهمية المجلس الدستوري.
أما فيما يخص الفقرة الثانية من سؤالكم المتعلقة بأفق الديمقراطية والتنافس السياسي والانتخابي، أود أن أقول هنا بأن الخارطة السياسية الموريتانية تغيرت تغيرا جذريا خلال العشرية الأخيرة، فالمواجهة التي كانت بين النظام السياسي العسكري والمتحالفين معه من الإقطاع السياسي والشوفينيين ومافيا الفساد والبيروقراطية والبرجوازية الموريتانية،  هذا التحالف الكبير والقوي المتكتل حول العسكر ونواياهم السياسية والمادية في مجال جمع الثروات وتشييدها من خلال إمبراطوريات مالية وبسط نفوذ سياسي بالتحالف مع المشايخ الروحية والقوى التقليدية والحركات السياسية والإيديولوجية النفعية، هذا التحالف الكبير كانت تجابهه بعض الحركات والأحزاب السياسية والأيديولوجية التي ترى بأنها ذات طابع فكري (مستند على خلفية قومية في الغالب)، لكن خلال عشرية ولد عبد العزيز، ونتيجة لشراسة الرجل وعنف هجماته وقساوة ملاحقته لخصومه في جميع الميادين بما فيها ميادين أرزاقهم وسلامتهم الشخصية، استطاع هذا الرئيس السابق أن يكسر شوكة هذه الحركات التقليدية المعارضة بحيث لم تقدر على الجدارة والصلابة والتماسك في المواجهة مما دفعها إلى أن تنصاع وتحاكي النظام في تبني الدفاع عن المجموعات المتغلبة وعن رؤية الأوساط المهيمنة للمظالم التاريخية والبنيوية واستصغارها وتتفيه مطالب ونضالات المستضعفين ورميها بالعمالة والخيانة والارتزاق لتصبح أكثر ليونة ورعونة فتكون مقبولة عند النظام و مجتمع الأقوياء. فمن هذا الحركات التقليدية المعارضة من دخل في مصالحة مع النظام السابق تحت سلطة الإكراه، فاقتصر نقدهم له على مواضيع غير أساسية  لا تضر بمصالحه ولا تعكر صفو حياة الزمرة الحاكمة. وأصبحت معارضتهم تكتفي أحيانا بالإشارة إلى ارتفاع الأسعار وبعض شعارات الفساد أحيانا أخرى وأشياء من هذا القبيل كاستكثار حرية النقد الممنوحة للمستضعفين ونيلهم من “المقدسات” وتهديدهم “للوحدة الوطنية”. غير أن  هذه الأحزاب والحركات السياسية غاب حضورها الميداني وغابت مواقفها في الملفات الحقيقية الكبيرة كالرق و ما يتفرع عنه من مآس وما يتضرر منه من جمهور عريض وكذا الإرث الإنساني و ما يتوجب فيه من كشف للحقيقة و إحقاق للحق و جبر للأضرار.
هذه المعارضة التقليدية، التي هي من عصارة ورحم أوساط النظام إن لم تكن صنوه، هجرت المنافسة الانتخابية والسياسية تحت وطأة ضغط النظام واستئساده وعلى وقع فقر وتصحر عناوينها النضالية  وخطابها التعبوي، وتقاعست، ليس عن الانتخابات السياسية فحسب، بل عن القضايا الكبرى التي أشرت إليها سابقا، وأقصد هنا قضايا العبودية وما يتعلق بها من تقييد وإقصاء وتهميش للأشخاص ذوي الأصول المنحدرة من مجتمع العبيد، وأيضا قضايا العنصرية والتمييز والحرمان المتعلق بها  كحرمان الناس من أراضيهم ونزعها منهم، تلك الممارسة التي كنت قد سميتها، إبان عودتي من داكار سنة 2005،  بـ”العبودية العقارية”  من خلال العمود الذي كنت أكتب بجريدة السراج، وهو العمود الذي تم من خلاله التنظير لكل ما سنقوم به بعد ذلك في حركة إيرا. هذا المفهوم وغيره من المفاهيم والمصطلحات كـ”كتب النخاسة” و”شعب لحراطين العظيم” و”العبيد والعبيد السابقين” هي مصطلحات كنت قد انتقيتها خلال كتابة مقالات هذا العمود الأسبوعي، فشكرا بالمناسبة للأخوين أحمدو الوديعة و أحمدو التلميدي.
ودائما في إطار الفقرة الثانية من سؤالكم الأول، أقول بأن  القوى السياسية والديمقراطية في النظام الديمقراطي  ليس لها من سبيل ومن مؤشر أو مقاس لاكتساب الوجود والنفوذ السياسي سوى الانتخابات،  وكما ذكرت لكم سابقا ففي  العشرية الفارطة تقاعست القوى التقليدية المعارضة بسبب ضربات النظام كما ارتمى بعضها في أحضانه وأصبح آلة بيده.
فنظام ولد عبد العزيز لم يبعد هذه القوى عن المنافسة الديمقراطية فقط، بل أبعدها عن الوقوف مع الجماهير العريضة والسواد الأعظم من الشعب الموريتاني ومشاكله الحادة والملحة والتي من خلال طرحها يتسنى للموريتانيين تحديد موقفهم من المتنافسين السياسيين. من هنا كان دور حركة إيرا من خلال كسر حاجز الخوف والطمع في النظام ومقارعته مقارعة شرسة، وأيضا من خلال دخول الحلبة المركزية للتنافس في ظل الديمقراطية التي هجرتها القوى المعارضة آنذاك بسكوتها عن المشاكل الكبرى المطروحة للموريتانيين كالعنصرية البنيوية والفقر والإقصاء وتهجير الناس من أراضيهم وحرمان السواد الأعظم من الرفاه والولوج لاقتصاد البلد والاستفادة منه أو أن يجدوا به موطئ قدم كمواطنين، وهو ما نعتبره نزعا للمواطنة التامة من هؤلاء وإقصاءً لهم.
هذه الجماهير العريضة التي تعاني من مشكلتين أساسيتين هما  العبودية والعنصرية وما تولد عنهما من حرمان وإقصاء وإذلال، لم يستطع أن ينافح عنهم خلال العشرية سوى حركة إيرا وجناحها السياسي. ومن خلال طرحها الصريح والشجاع والموضوعي، اكتسبت إيرا تعاطفا كبيرا من لدن الجماهير التي كانت تفتقر إلى من يدافع عنها ويتبنى مواجهة النظام في سبيل استرداد حقوقها. وهذا ما أدى إلى أن تنتهي العشرية إلى قطبية سياسية انتخابية جماهيرية بين إيرا وجناحها السياسي من جهة، والنظام الموريتاني وحاضنته السياسية المتمثلة في الحزب الحاكم  وأحزاب الموالاة التابعة له.
لقد تعمقت القطبية السياسية في موريتانيا خلال الجزء الثاني من عشرية محمد ولد عبد العزيز بين حركة إيرا وجناحها السياسي من جهة، والنظام الموريتاني من جهة أخرى، بتعمق وتغلغل وانتشار الفكر الإيراوي في صفوف الجماهير العريضة من الشعب الموريتاني، وهو ما أفضى إلى أن الانتخابات الرئاسية لسنة  2019  كانت بين قطبين ليس بينهما أي توازن في الأموال وموارد الدولة التي يتحكم فيها النظام، ولا حتى الانتماءات الطوعية القليلة والعريضة تحت الإكراه للنظام من طرف جميع الأوساط، وهكذا أبدى النظام قلقه من تغلغل المد النضالي واستخدم كل الطرق غير الشرعية لإحتوائه.  وعلى سبيل المثال، حاول النظام كسر الهبة الجماهيرية المعاضدة لتحالف إيرا-الرك باستخدام الجاسوس دداه عبد الله كذريعة واهية من أجل سجن رئيس حركة إيرا  خلال الانتخابات البلدية والنيابية والتشريعية بغية الحد من تألق إيرا ومنع بيرام الداه اعبيد من دخول البرلمان، غير أنه -رغم القضبان والزنزانات- فرض الواقع نجاحنا فدخلنا قبة البرلمان ودخلها بعض الزملاء الذين كانوا معنا ضمن حزب الصواب.
ولكن أيضا أوضحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة أن الساحة السياسية تنضوي على قطبين فقط، وأن جميع الأحزاب الأخرى والتيارات والقوى السياسية لا يمكن أن تكون خطا ثالثا وليس أمامها سوى الانقسام  بين القطبين السابقين، فلا توجد قوى سياسية راهنة بإمكانها تشكيل قطب آخر دون النظام وحركة إيرا وجناحها السياسي. وأعتقد جازما بأن هذه الوضعية ستستمر وتتعمق خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعني أن أفق التنافس السياسي والانتخابي في موريتانيا خلال الانتخابات المقبلة سيظهر في البرلمان والبلديات والمجالس الجهوية بنفس الثنائية القطبية: مواجهة  بين قوتين كبيرتين، قوة النظام من جهة، وقوة الجناح السياسي لحركة إيرا ممثلة في حزب “الرك” والتيار الإنعتاقي من جهة أخرى.
هذه الوضعية هي التي ستطبع بصفة قوية مستقبل التنافس السياسي والديمقراطي في البلاد.
 
27 ابريل الإخباري: ما رأيكم في الأداء الإعلامي للهيئات الصحفية الموريتانية في ظل حكم الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني وأنتم الذين زرتم بعض المؤسسات الإعلامية وخاصة الرسمية منها؟ وكيف أثرت الحملات الإعلامية على حركة إيرا وحزب الرك والرئيس برام الداه اعبيد؟ وما هي سلبيات القطيعة الإعلامية التي تتعرضون لها من طرف الإعلام الفرنكوفوني  الموريتاني بعد صدامكم مع رجل الأعمال ذي الطموحات الرئاسية محمد ولد بوعماتو؟ 
 
الرئيس بيرام الداه اعبيد: يمكنني القول، في إطار تقييمنا  لأداء المؤسسات الإعلامية، بأن أداءها ما زال في أمس الحاجة إلى الكثير من التحسن، بالرغم من تعيين شخصيات ذات كفاءة ومهنية، وأقصد هنا الإخوة الذين تم تعيينهم على مؤسسات الهابا والإذاعة والتلفزيون الرسمي والوكالة الموريتانية للأنباء. زيادة على ذلك يبدو لنا أن النظام الحالي قبٍل بولوج  المعارضة للمؤسسات الإعلامية الرسمية من خلال تغطية أنشطتها، وهذا شيء لم يكن موجودا ضمن سياسات الأنظمة السابقة. ولقد كان مطلبا أساسيا للمعارضة. غير أن هذا الانفتاح الذي يشهده الإعلام الرسمي اليوم ما يزال ناقصا ويحتاج إلى المزيد.
فيما يخص تأثير الحملات الإعلامية خلال العشرية على حركة إيرا وحزب الرك وبيرام، يمكنني القول بأنها لم تؤثر كثيرا لا هي ولا الشيطنة التي صاحبتها ضدنا في الإعلام الرسمي والخصوصي والتي استمرت إلى آخر يوم من أيام العشرية، لكن المفارقة هنا هي أن الشخصيات الوطنية والسياسية والحقوقية ورجال الدين والضباط المفتوحة أمامهم أبواب هذا الإعلام لتمكينهم وإعطاء صورة حسنة عنهم، في الوقت الذي أوصد فيه أبوابه أمامنا وعمل على شيطنتنا، لم تصل أصواتهم، ووحده صدى خطاباتنا ونضالنا استطاع الوصول والتغلغل داخل صفوف الجماهير.
كما تعلمون هنالك العديد من الشخصيات السياسية التي طالما تحدثت في وسائل الإعلام  الرسمي والخصوصي إلى الحد الذي يمكننا القول بأنها باتت مقيمة في مؤسسات الإعلام، وأيضا بعض الجواسيس القادمين من إيرا الذين تمت محاولة صناعتهم كشخصيات، وغيرهم، كل هؤلاء ومع إتاحة كل المنابر لهم، كنا نحن، في النهاية  وعند الحصيلة، المتفوقين من خلال التتويجات على المستوى الدولي، فمن بداية نضالنا وإلى الآن نحصل كل سنة على جائزة أو جائزتين وعلى اعتراف دولي كبير، فخلال  2020 وحدها حصلنا على تتويجين كبيرين أحدهما في جنيف والثاني في الولايات المتحدة.
يضاف إلى ذلك أداؤنا الانتخابي، فالشخصية الوحيدة التي يمكنها دخول السجن والنجاح في الانتخابات  لا يمكن أن تكون سوى شخصية من إيرا، إذ لا يمكن أبدا لأي شخصية أخرى سواء دينية أو عسكرية أو من رجال الأعمال والأحزاب السياسية، ولا حتى النشطاء والزعماء التاريخيين والمنتمين للحركات السرية القومية منها واليسارية، ولا الوزراء السابقين والحاليين، ولا حتى الرؤساء السابقين ولا القادمين، أن توضع فيهم الأغلال داخل السجون وينجحون في الانتخابات من وراء القضبان.
وهذا ما برهن عليه نجاحنا خلال الانتخابات النيابية سنة 2018 من داخل السجن إلى قبة البرلمان. هذا الوفاء والتضحية من طرف الجماهير والشعب الموريتاني لا يمكن أن يتحصل عليه غيرنا في إيرا وحزب الرك وذلك نتيجة لمسارنا النضالي ونتيجة لصدقه ونفعه وقربه من المواطن.
ثم إن الأداء الانتخابي الذي حققنا خلال2019 وقبلها، يبقى دليلا قاطعا على أن حملات الشيطنة لم تؤثر علينا مطلقا نتيجة لبلادة أصحابها وسذاجة الدولة التي حركت، آنذاك، القوى العنصرية والاستعبادية الإقطاعية والمخابرات والجواسيس والخونة. هذه الحملات طالما كانت تجلب لنا التعاطف لما تحمله من كذب فاضح وقبح في الإخراج وبله في اختيار السياق: أناس يستحسنون أن شخصا ما يمكن أن يتودد إلى آخر بالتعاطف وبالمساندة والأخوة ويقضي معه أربع سنين من الثقة، وهو يصور ويسجل عنه كل كبيرة وصغيرة بسبق إصرار و ترصد و بغير علم، إلى الحد الذي يعتقد فيه أنه جمع عنه قدرا من المعلومات يكفي لطعنه من الخلف بضربة قاتلة وغادرة، ثم تتحول كل هذه الخساسة بقدرة قادر في نظر  من يحلمون بالإطاحة بإيرا ورئيسها إلى بطولة يشاد بها!!! يا للشفقة عليهم! مساكين!!.
الطريف في الأمر أن الذين يخيل لهم أنهم منافسون لنا تلقفوا هذا الأمر بشيء من السعادة والانتشاء، وكأنهم قد حققوا انتصارا عظيما طال انتظاره من خلال اعتراف حليفهم الجاسوس وتعبيره عن جوسسته وغدره وخيانته للأمانة والأخوة.
هذا نموذج من بلادة الذين يستخدمون هذه الوسائل للإضرار بنا، لكنها بالمقابل أفادتنا أكثر وجلبت لنا التعاطف.
ولقد لاحظت سعادة البعض بهذه الخساسة ممن كانوا بالأمس القريب في إيرا، كصحفي وأستاذ ومهندس كبير في الخارج، كلهم استبشروا بهذه القذارات التي اتفق الجميع على أنها دنيئة. وهذا نموذج آخر أيضا من النماذج التي تؤدي حتما إلى فشل حملات الإعلام والشيطنة ضدنا.
فيما يخص الشق الأخير من سؤالكم، أشكركم مبدئيا على طرح سؤال كهذا، وأقول إن سلبيات القطيعة الإعلامية التي يمارسها ولد بوعماتو من خلال بعض الجرائد ك”كريدم” و”القلم”و “لوتانتيك” و”لوكوتيجان دي نواكشوط” وغيرها, والتي يعتقد أنه من خلالها قد فرض حصارا إعلاميا على إيرا عن طريق منع هذه الصحف الفركوفونية الموريتانية القديمة وذات الأداء الجيد من  النشر عن إيرا وبرام، متوهما أن في ذلك تقويضا للأداء الحقوقي والسياسي لإيرا وبرام، أقول بأنها نفس  العقلية التي كان يتعامل بها معنا ولد عبد العزيز. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الرجلين يصدران عن ذات المشكاة. وهذا برهان على الزمالة والصداقة التي تجمعهما وجمعتهما من خلال الدعم  والإمتاع من نظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وأيضا الإطاحة بأول نظام ديمقراطي بموريتانيا، نظام المرحوم سيدي ولد الشيخ عبد الله. كما أنهما شركاء كذلك في نظرتهما لثروة البلد و صرفها إلى جيوبهم.
ويبدو لي أيضا أن بين ولد عبد العزيز وولد بوعماتو قاسم مشترك آخر وهو محاولة السيطرة الدائمة على الناس بالقوة والاستبداد و الإيمان بسلطة المال و الدنيا جناح البعوض، ولكن كل ذلك لن يجدي نفعا معنا، وإن أرادوا فليحاصرنا في الإعلام العربي والولفي والسونكي والبولاري،  فكل ذلك لن يجدي معنا نفعا بل سيزيدنا قوة ومتانة وتغلغلا في صفوف الجماهير و الفاء إلى قلوبهم وتألقا عندهم من خلال كاريزميتنا وهيبتنا ومتانة وجدوائية ونفاذية خطابنا كما ترى ذلك هذه جموع الجماهير الصادقة في الداخل والخارج.
وستلاحظون خلال المناسبات السياسية والانتخابية القادمة أن هذا الحصار لن يضر سوى بمصداقية هذه الجرائد الخاضعة لهذه القيود التي يمليها عليها ولد بوعماتو مقابل الدعم و الهبات.
 
27 ابريل: ما هو تأثير العداوات المتنامية والحادة التي تتعرضون لها  من طرف بعض من يعرفون بزعامات لحراطين أو أحزاب وهيئات وشباب لحراطين على ضوء قضية لحراطين ومشروعكم السياسي والحقوقي  بصورة عامة؟
 
الرئيس برام الداه اعبيد: شكرا مجددا لكم موقع  27 ابريل. أولا هذه العداوات المتنامية التي تزيد حدة يوما بعد يوم ضدنا ممن يعرفون بزعامات لحراطين ومنظمات وهيئات وشباب لحراطين ليس لها أي تأثير سلبي يذكر على قضية لحراطين مطلقا، فتأثيرها السلبي  الوحيد سيكون على هذه الهيئات والأحزاب والجمعيات وعلى أشخاص أصحابها من خلال تقليص حظوظهم الانتخابية وعزوف الجماهير والمتعاطفين عنهم.
أما نحن فوارد فينا مثل شائع عند فلان الضفة يقول “من كانت معه المرأة فالله معه”، ويمكن أن نقلب هذا المثل ليتماشى مع النازلة فنقول “من كان معه الشعب فالله معه” ونحن معنا الشعب.
وقضية لحراطين في أمان، فمنذ أخذنا زمام المبادرة فيما يخصها، أخذناه على  بصيرة ووعي بعد عديد الدراسات والبحوث الجامعية التي تحصلنا من خلالها على شهاداتنا في جامعة موريتانيا وجامعة أنتا جوب السنغالية والتي تم إعدادها عن العبودية وقضية لحراطين بطبيعة الحال. وقد نافحنا عن قضيتنا عن بصيرة من أمرنا ومن خلال كل ذلك، إضافة إلى مشاهداتنا واستنتاجاتنا وما ثبت في رؤوسنا منذ الصغر.
وهو ما قادني أنا وجماعات معي إثر عودتي من داكار وحصولي على شهادة الدراسات المعمقة والتي كنت قد أعددتها عن الرق في موريتانيا، إلى التنظير عن قضية لحراطين والعبودية والتعايش. وبالتأكيد كان العمود الخاص بي في جريدة السراج بعنوان  “في قلب الحدث”  يتناول كل أربعاء قضية من القضايا الجوهرية التي تعاني منها موريتانيا وعلى رأسها قضية لحراطين. ومن هنالك انطلق التنظير من خلال المفاهيم والمصطلحات التي ذكرت بعضها آنفا كالعبودية العقارية وكتب النخاسة وشعب لحراطين العظيم، ثم تلقفته الناس بعد ذلك.
إن مقاومتنا في إطار قضية لحراطين وحملنا لمشعلها كان على المستوى المطلوب من خلال سلسلة اشتباكات فعلية على أرض الواقع و على عدة أصعدة: سجالات و معارك فقهية وإعلامية وميدانية ودبلوماسية وفكرية، وأخرى على صعيد السجون وكان أخطرها و أبلغها و أشدها وقعا المحرقة المجيدة و الجلد في السجون و صبر الأذى بالإيجاب.
كما تعلمون، فإن أول مظاهرة ضد العبودية في موريتانيا نظمتها حركة الحر بزعامة الرئيس بوبكر ولد مسعود وحكم على روادها باسجن خفيف جدا آنذاك، وكان أقساهم حكما لمدة شهر، إلا أنهم  بعد السجن لم ينظموا مظاهرات أخرى ضد العبودية. أما نحن في إيرا فبدأت مظاهراتنا واحتجاجاتنا بهذا الصدد في 13 دجمبر 2010 ولم تعرف التوقف بعد ذلك، وكانت حركة إيرا  بذلك أنيسة سجون طيلة العشرية لا يخرج مناضلوها من السجن إلا ليعودوا إليه.
صحيح أن البعض من الذين كانوا في ايرا آنذاك سجنوا مرة واحدة فعافوا النضال ورحلوا إلى معسكر النظام وانتظموا في قطاع الجوسسة، وكثيرا ما ناصبوا أهل إيرا العداء وتبنوا مواقف الجلادين مكرهين ومرغمين على ذلك، إلا أن أهل إيرا الحقيقيين ظلوا صامدين على قناعاتهم ومبادئهم داخل السجون وخارجها ولم يزحزحهم الإكراه.
كما خضنا كذلك مواجهات حقيقية مع المنظومة الحاضنة والراعية والمتحكمة بنظام الاستبداد، فاشتباكاتنا مع الإقطاعية الظالمة والمتغطرسة لم تختصر فقط على مؤسسات الدولة (من محاكم ومفوضيات وإدارات وحكام)  التي كانت تهاجمنا، إذ لم تتعود هذه المنظومة على أن يقف أحد بوجه طغيانها وتعنتها على استعباد الناس، بل خضنا معها أيضا اشتباكات فقهية وفكرية لم نشتبك خلالها مع العوام منهم بل مع فقهاء النخاسة ومنظريها ومشرعيها ومقدسي العبودية، وهو ما نتج عنه حرق الكتب لاحقا حرقا رمزيا جارينا فيه ما وقع مع الكثير من الكتب عبر تاريخ الدولة الإسلامية احتجاجا على المضامين والتأويلات الزائفة.
تماما كما خضنا أيضا مواجهات ضدها أمام القضاء والمحاكم تم خلالها سجننا في كثير منها، لكن بالمقابل تم الزج بكثير من الاستعباديين أيضا في السجون.
واشتبكنا أيضا دبلوماسيا مع الدولة الموريتانية الراعية للعبودية في المحافل الدولية وانتصرنا عليها في أيام معلومة مشهودة، وفي الكثير من المواجهات، وتكلل ذلك بالاعتراف بنا والاعتراف بنضالنا وتتويجه بالسلمية والمهنية والعدل.
إذن فنجاح قضية لحراطين والعبودية الأساسي منه هو ما قامت به إيرا إذ باتت الصحافة تكتب عناوين من قبيل “عتقاء برام”، كما فرضنا على الحكومة سجن مجرمي العبودية بدءا من 2010 وعم الخوف في ذهنية الاستعباديين وبدا ذلك من خلال تسفير العبيد و العبدات وإبعادهم خوفا من أن تصل إليهم إيرا، مما نتج عنه الكثير من التحرر تحت تأثير صدى مقاومة إيرا ضد تزوير الملفات وإطلاق سراح الجلادين وإفلاتهم من العقوبة. ما أعطى نتيجة كبيرة من خلال سجن الكثير من مجرمي العبودية. وهذا أمر كانت إيرا سباقة إليه دون غيرها وهي الوحيدة في ذلك. إذن فالسقف الذي أوصلت إليه إيرا النضال لم تصله قبلها أية منظمة،  أما بعدها فلم تولد بعد.
كما أن النضالات في مجال العبودية العقارية لم تحدث ولم يعرفها الناس إلا مع إيرا، كما أن النضالات التي تقوم بها جماهير لحراطين لم تجد محتوى وجماهيرا ودفعا إلى الأمام إلا من خلال نضال إيرا.
مما يعني أن المشروع الحقوقي لإيرا لن يضره شيء بعد هذا، فإيرا ورئيسها يمثلان المنظمة والرئيس الأكثر تتويجا قي المنطقة، ومن ضمن المنظمات  والشخصيات الحقوقية الأكثر تتويج عالميا.
فرئيس إيرا من بين أكثر الشخصيات الحقوقية ذات المصداقية دوليا باعتراف المنظمات الحكومية كالأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية كمنظمة العفو الدولية.  والمشروع الحقوقي الإيراوي هو المشروع الوحيد الذي تحتمي به المواطنات والمواطنون المظلومون، وهو ما يعكس كثافة حضور هؤلاء بمكاتب إيرا ومنزل رئيسها يوميا  طلبا لرفع المظالم. فالموريتانيون من جميع الإثنيات والأعراق، المواطنون والمقيمون على أرض الوطن من دول أخرى، قبلتهم الأولى إيرا.
إذن فما الذي يمكن أن نخاف على مشروعنا الحقوقي منه؟ مشروع حقوقي ناجح ومتواصل من خلال ثقة الناس وتعاطفها ودعمها المتزايد للحركة، وهذا دليل على أننا في نجاح ومن نجاح إلى آخر. 
وما معيار التألق والنجاح في الديمقراطية غير صناديق الإقتراع؟
 إذن كيف نكون حزبا وحركة غير مرخصين وضدنا نخبة لحراطين والبيظان ونخبة أهل الضفة وحركاتهم السياسية والحقوقية والجمعوية  ثم نحصل على هذه النتائج الكبيرة ويفشل غيرنا في ذلك؟ أليس هذا دليل على قوتنا وارتباطنا بالجماهير؟
إن هذا حتما يعني نجاح مشروعنا. وكل انتخابات بعد أخرى نبدو أقوى، ومن غير المنطقي إذن القول بأن قضية لحراطين فاشلة وغير ناجحة، فما دام أبرز حامليها ناجحون في مسارهم، فمعناه أنها حتما قضية ناجحة.
أما فيما يخص المشروع السياسي لحزب الرك، فلا أدرى كيف يؤثر عليه ضجيج الخونة من لحراطين والحاقدين من الفلان والعنصريين من البيظان، فكل ذلك لن يجدي معه نفعا. مع العلم أننا حزب غير مرخص، وكما تعلمون الأحزاب غير المرخصة لا يمكنها تأسيس هياكل في المدن والريف والخارج نتيجة لعدم ترخيصها، غير أن الأحزاب المرخصة هنا والتي تمتلك كامل التراخيص القانونية عجزت عن منافستنا أفرادا وتكتلات وهو ما أظهرته الانتخابات الرئاسية الأخيرة من خلال  الشخصيات المرشحة المدعومة من طرف الأحزاب ورجال الأعمال والمنظمات والجمعيات. أما نحن -كما لاحظتم خلال الاستحقاقات- فلم يساندنا غير الجماهير العريضة من الموريتانيين الصادقين وخطابنا الصادق وحسن نوايانا تجاه الموريتانيين والإنسانية جمعاء. أما منافسونا فلم يقنعوا الناخبين رغم ما لهم من دعم من طرف  المشيخات التقليدية ورجال الأعمال بمالهم والأحزاب العتيقة والحركات القومية من البيظان والتكارير ولحراطين الذين لم يقبلوا دعمنا كلهم باستثناء حزب واحد  ووحيد وهو حزب الصواب الذي نعبر له عن جزيل الشكر على ذلك. 
وكما نعلم ويعلم جميع الموريتانيين، فلو كانت الانتخابات شفافة لما كان نصيبنا من الفرز النهائي 20%  بل لكانت ضعف ذلك. وهنا أسأل العجزة المتقولين: ما الديمقراطية إن لم تكن صناديق الاقتراع ونتائجها؟ 
أما بالنسبة للذين ينادونا دائما بضرورة اتحاد لحراطين وتوحيد جهودهم، فأود التأكيد هنا على أننا لسنا حركة احراطين، نحن حركة للموريتانيين والموريتانيين جميعا ومن كل الأعراق والألوان، ولا أدل على ذلك من مؤازراتنا الكثيرة لمختلف أصحاب المظالم.
 صحيح أن واجهتنا بها احراطين، لكننا حركة وطنية وحاملة لقضايا جميع الموريتانين ومساندة لجميع المظلومين والمضطهدين، ولسنا من حركات العرق واللون ك”افلام” و”الحر” وتنظيمات البيظان الكثيرة العنصرية .
هؤلاء الذين يقولون بفساد النضال إن لم يتحد لحراطين، أود أن أبلغهم أن النضال يفسد فقط بقلة النزاهة وغياب الصدق والإيمان بالقضايا، ومن غير المنطقي أن يطلب منا الاصطفاف مع الخونة والفاسدين بحجة أنهم وأننا احراطين.
نحن مستعدون للاتحاد فقط مع من يتقاسم معنا المبادئ والقيم بغض النظر عن عرقه ولونه ونوعه كائنا من كان، أما غير ذلك فالدعوة إلى اصطفاف لحراطين وتوحيد زعاماتهم هي دعوى واهية لا تستقيم لأي منطق.

شاهد أيضاً

الجزء الثاني من مقابلة الرئيس بيرام الداه اعبيد مع يومية لورونوفاتير بعد الترجمة و التصحيح

لورنوفاتير: يجري الحديث مؤخرا عن استقالات مناضلين من إيرا، كيف تفسرون ذلك؟بيرام الداه اعبيد: الضجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *