الرئيسية / مقالات / فيورباخ واللاهوت الإنساني/ لمرابط أحمد سالم (باحث في الفلسفة)

فيورباخ واللاهوت الإنساني/ لمرابط أحمد سالم (باحث في الفلسفة)

لا يستقيم تناول الجهد الجبّار الذي اطلع به ليودفيغ فيورباخ في تأسيس نمطية خاصة من الأنتربولوجيا اللاهوتية وتقويض التصور المثالي للدين دون تبيان السياق الأفهومي الذي تشكلت ضمنه نظرية فيورباخ بوصفها إعلانا فلسفيا عن غروب شمس المثالية الألمانية
ولأن نواميس الجدل تحجب إمكانية تحديد مفهوم ما دون استنطاق نقيضه الدلالي بغية تحقيق التصويب الملائم لتكوينية الاصطلاح ونطاقه التداولي، لذلك نقول إن حضور تعبير “المثالية” في المدونة الفلسفية الحديثة يتلازم على نحو تقابلي مع المادية وهو المفهوم الذي تبلور للمرة الأولى {في اللسان الألماني} من خلال كتابات لايبنيز فقد كان مخترع المونادات معنيا بإطلاق وصف المادية على خصومه “الآليين” الذين لا يشاطرونه القول بالطبيعة العقلية الموحدة للموجودات(1) اتسعت بعد ذلك دائرة هذا المفهوم لتحوى جملة التوجهات الرافضة لإمكانية قيام كيانات عقلية بريئة من المادة ومنذ منتصف القرن الثامن عشر ارتبطت المادية بالإلحاد وقد كانت تهمة الإلحاد في تلك الحقبة ملاصقة للسبينوزية،
وبالعودة إلى مفهوم المثالية نجد أنه لم يسلم هو الآخر من الاستعمال التحقيري حين وسم كريستيان فولف بالمثالية كل من يتجاهل الصلابة الواقعية للوجود الجسماني،
واستعمل كانط المثالية النقدية بالتضاد مع الدوغمائية و الطبيعانية أما مفهوم المثالية الالمانية في تعينه الأخير فقد ظهر لأول مرة في كتابات ماركس و انجلز على نحو أدق سنة 1845 في كتابهما نقد النقد أو نقد العائلة المقدسة
ويمكن التمييز داخل حقل المثالية الألمانية نفسها بين مثالية نقدية وأخرى تأملية تشمل الأولى فلسفة كانط وفيخته الأول أما الثانية فتضم فلسفة شلينج الأخير وكل النسق الهيجلي منذ نص يينا
وقد بدا الثنائي “اليساري” حريصا على استخدام عبارة المثالية الألمانية للدلالة على موقف فكري وآخر إيديولوجي فالمثالية الألمانية بالمعنى الأول تشير إلى السياق الذي بدأ في التشكل منذ منتصف القرن الثامن عشر واختتمه هيجل بتصور نسقي للروح أما المعنى الايدولوجي المساوق للمعنى الأول فيرمز إلى الأولوية التي يمنحها هذا التيار للمبادئ الفكرية في تشكيل الواقع المادي، وهو ما يتقابل والعقيدة التي تبناها الهيجليون الشباب تلك العقيدة التي ماكان لها أن تتبلور دون المساهمة الأنتربولوجية لليودفيغ فيورباخ الذي افتتح من خلالها عصر النضال ضد الدين
فقد غدونا نحن معشر الهيجليين الشبان -يقول انجلز – من أنصار فيورباخ منذ ظهور كتابه جوهر المسيحية الذي سحق بضربة واحدة ما خلفته الفلسفة البرجوازية من تناقض معلنا وبكل صراحة انتصار المادية (2)
هذ الإسهام الثوري الذي وسم به انجلز فلسفة فيورباخ المادية يجد ما يبرره في افتتاحية كتاب أصل الدين حيث ينوه فيورباخ إلى أنه في جوهر المسيحية إنما يناقش مسألة إلباس الجوهر الإنساني على الطبيعة الإلهية في حين إنه في هذا الكتاب يتعرض لأصل الدين [بالمطلق] الذي ليس سوى تبعية الإنسان للطبيعة وانهزامه أمامها
ويفرق فيورباخ بين الإنسان الذي يؤلّه الطبيعة بإضفائه صفاتا مادية كالخلق والإعجاز في تصريف الكون وبين الإنسان في تأليهيته الأنتربولوجية حين يصوب سماته الأخلاقية والتشريعية والسياسية نحو الإله(3)
على أساس هذا التفريق كتب فيورباخ مُؤلفيه جوهر المسيحية وأصل الدين، ما هو حقيق بالتنبيه أن الحماسة الأيدولوجية التي تلقّف بها الهيجليون الشبان فلسفة فيورباخ انحرفت بهم عن اكتناه العمق المفهومي الذي اتسم به تحليله للظاهرة الدينية بمعنى آخر لقد توقف اليساريون عند جوهر المسيحية ولم يتجاوزوه إلى جوهر الدين
يطرح فيورباخ ضمن ضرب من الأشكلة الأنتروبولوجية لتحليل اللاهوت سؤالا عن سر تقدّم الحياة في الغرب في حين يظل الشرق جامدا
توجز إجابة فيورباخ على نحو جلي الموضعة التاريخية لتشكل الظاهرة الدينية كما تجلت لنهر النار
“فالعلاقة بين الشرق والغرب أو بالأحرى- بين الدين الأصلي و الدين التوحيدي- كعلاقة المزارع بسكان المدينة ففي حين يعتمد المزارع على الطبيعة،يعتمد الآخر [ ساكن المدينة] على الإنسان وفي حين يعتمد المزارع على التغيرات الطبيعية يعتمد سكان المدينة على الدولة والاقتصاد الصناعي.(4) مايمكن أن نتوقف عنده في هذه الفقرة أن فيورباخ -بتأثير من هيجل ربما- يرى أن المسيحية تندرج ضمن التقليد الغربي،
من الواضح أن فيورباخ في طور حديثه عن المشرق يستثنى الدين الإسلامي أو يحوّره ضمن التراث اليهودي-المسيحي فالإسلام كونه دين تعال يخلو من تصور للتجسد مما يجعله عصيّا على النقد الأنتربولوجي الذي ينبني على أساس من الإسقاط الشخصي لما هو إنساني على الأقنوم الإلهي كما أن الفهم الذي يمنحه فيورباخ للطبيعة عند الشرقيين يتقابل تماما مع التصور الإسلامي للطبيعة المُسخّرة “فالطبيعة في الشرق موضع عبادة في حين أنها هنا مصدر متعة، والإنسان هناك موجود للطبيعة أما هنا فالطبيعة موجودة من أجل الإنسان وهناك [ في الشرق]الطبيعة هي الغاية في حين أنها هنا وسيلة والطبيعة هناك تعلو على الإنسان في حين أنها هنا تخضع للإنسان(5)
غير بعيد من هذه الفقرة يحدد فيورباخ آلية الانتقال من الفيشتية إلى التوحيد أو من جوهر الدين إلى جوهر المسيحية فالتألية أو التوحيد ينبعان فقط من ربط الإنسان للطبيعة بنفسه لأن الطبيعة تُخضع نفسها للإنسان دون إرادة أو وعي تُخضع نفسها ليس لكل ما يحتاجه فقط ووظائفه العضوية وإنما لكل اهدافه الواعية وملذاته وتنبع من حيث يجعل الإنسان جوهر هذه العلاقة وبالتالي يجعل نفسه هدفا ومركزا ووحدة للطبيعة. وحيث يكون هدف الطبيعة خارج ذاتها فإن من الضروري أن يكون سببها وبدايتها خارجها فبداية الطبيعة تتوافق مع الإله ليكون المذهب القائل بأن الإله هو خالق هذا العالم مصدره ومعناه العقيدة القائلة بأن الإنسان هو هدف الخلق (6)
يسهب فيورباخ في نقد التصور الانتربومورفي الذي يُسقط تصورات الإنسان وأخيلته الذاتية على نظام الكون ومن يمعن في نقد فيورباخ للغائية لابد أن يستحضر تذييل الباب الأول من الإتيقا حيث يفتتح سبينوزا هذا الضرب الخطير من تفنيد التفكير الغائي، يقول فيورباخ في نص يذكرنا باسبينوزا “هذه العناية الإلهية التي تتجلى في الامتثال لهدف وقوانين الطبيعة ليست هي العناية الإلهية الموجودة في الدين المبنية على الحرية في حين أن العناية الإلهية الأولى التي تتجلى في قوانين الطبيعة مبنية على الضرورة ،إن العناية الإلهية الدينية عناية غير محدودة لا تحدها شروط في حين أن العناية الإلهية المتمثلة في قوانين الطبيعة محدودة وتعتمد على الآلاف من الشروط” (7)
غير أن ما يُميز فيورباخ عن سبينوزا هو صرامة تدليله الطبيعي-وهو المتمكن من فيزياء عصره- على انعدام القصدية الطبيعية تجاه الأفراد فآلية الاشتغال الميكانيكية للنظام الكوني لا تضمن نجاة الأفراد من مطحنة الطبيعة القاسية و المجردة من أي مسلك أخلاقي وليس أدل من ذلك حجم المآسي التي يعيشها البشر وضروب الكوارث والاوبئة التي تنقّص الحياة على الأرض،
يمكن الخروج بملاحظتين أساسيتين من دراسة النص الفيورباخي خاصة الكتاب الثاني (أصل الدين) -وهو المُهمل نسبيا- أول هاتين الملاحظتين أن فيورباخ إنما يؤسس نضاله الانتربولوجي و السيكولوجي في وجه ضرب خاص من التدين المنبني على عقيدة التجسد فضلا عن تفنيده للدين الطبيعي المستند في جله إلى التفسير الهيجلي لمظاهر تأليه الطبيعة،أما الملاحظة الأخيرة فتتعلق بحضور النص السبينوزي في فلسفة فيورباخ وهو ما لم ينل قدره من البحث رغم أن فيورباخ نفسه كتب في سبينوزا، فقد جرت العادة لدى مؤرخي الفلسفة على اعتبار الحضور السبينوزي -في ألمانيا-محصورا في البواكير الأولى لولادة المثالية الألمانية أعنى ما بات يُعرف بالخصومة السبينوزية بين الثلاثي (جاكوبي-مندلسون و ليسينغ)

مراجع
1-المثالية الألمانية، المجلد الأول،مجموعة مؤلفين،تحرير هانز زندكولر،تحرير النص العربي أبو يعرب المرزوقي،ت فتحي المسكيني،ناجي العونلي،ص،39 وما بعدها.
2-لودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية فريدريك انجلز،ترجمة،سلامة كيلة،25
3-اصل الدين،ليودفيغ فيورباخ،ترجمة عبد الحليم عطية
الفقرة 12
4-المرجع نفسه الفقرة (38)
5-الفقرة (39)
6-الفقرة (43)
7-الفقرة (50)

شاهد أيضاً

إن للألم عندي معنى، سيادة الرئيس ! /محمد فال ولد سيدي ميله

بنتٌ أنا، لكن لا كالبنات!!.. نهاري هراوات ومتفجرات ودخان وضرب بالعصيّ على المقاتل.. ليلي كوابيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *