الرئيسية / مقالات / العرب وسؤال الروح …..إشارات وتنبيهات/محمد المختار أحمد فال(باحث في الفلسفة)

العرب وسؤال الروح …..إشارات وتنبيهات/محمد المختار أحمد فال(باحث في الفلسفة)

هل بمقدور أحدنا أن يطرح اليوم السؤال التالي :”ما هي روح العرب ؟ وأي فيلسوف عربي أقرب إلى هذه الروح ؟

في الحقيقة يذكرنا هذا السؤال في السياق الغربي بسؤال نيتشه عن المسألة القديمة ، ما هو الشيء الذي هو ألماني ؟ Qu’est-ce qui est allemand “العلم المرح” .
إن نيتشه تحت هذا السؤال يحاول أن يميز ما هو ألماني عن سياق ما هو أوروبي وما هو لاتيني بدرجة ما ، يحاول ذلك باعتماد منهج يحصر هذه الروح في ثوراتها الكبرى ، هذه الثورات التي تحددت بحسب نيتشه في ثلاث أساسية :
1- “وضوح لايبنيتز الفريد الذي منحه الحق ليثبت ، ضد كل من تفلسف قبله وليس ضد ديكارت فقط ، بأن الشعور ليس إلا عرض التمثل لا صفته الضرورية والأساسية ، لأن مانسميه بالتالي شعورا ، بعيد عن أن يكون عالمنا الروحي بل والنفسي ، ولا يشكل منهما إلا حالة ربما مرضية “.
2- علامة الاستفهام الكبيرة التي وضعها كانط بجانب مفهوم السببية لا لأنه عارض مشروعية هذا المفهوم كما فعل هيوم ، لقد شرع بالأحرى وبحذر في تحديد المجال الذي لايزال فيه لهذا المفهوم نفسه معنى (ولازلنا لم ننته من هذا التحديد بعد).
3-العمل الجريء المدهش الذي زعزع بيه هيجل كل عادات وسهولة المنطق حتى تجرأ على تعليم أن المفاهيم النوعية تنمو واحدتها من الأخرى : الفرضية التي بفضلها هيئت العقول في أوروبا لآخر أحد أكبر الحركات العلمية ، الداروينية لأنه لا داروين بدون هيجل .‎
يسحب نيتشه سؤاله نحو أساتذه شوبنهاور سحبا جريئا ، يعيد هذا السحب إقامة العلاقة بين الألماني والأوروبي، دون أن يحصل التشتت الذي يفقأ عين التمييز ، والحال هذه أن نيتشه أيضا يريد مزيدا من تكشف روح الألمان عبر تحديد تخومها الأساسية ، هذه التخوم التي تتحدد بحسب فهمنا لنيتشه من خلال ثنائية :
1-العقلانية الاستعابية التي تنطلق من صيرورة المفهوم ولا تقف عند حدود الشعور باعتباره مدار التصور
2- البعد الديني للوجود الذي يضفي على الوجود مسحة إلهية حاسمة في حيز التصور والتصديق .

غير أننا يمكن أن نستأنف سؤال نيتشه ضمن سياقنا العربي ونعاود طرح سؤال البدء، ما هو الشيء الذي هو عربي؟ :
قد تعيق طرح هذا السؤال مجموعة من العوائق التي ليس أقلها أهمية ما يتعلق بكونية التفلسف ،الفلسفة كونية والتحديد العرقي والجغرافي شيء ثانوي ضمن سياقها، هذا كلام مستساغ استساغة أولية ولا يجد معارضة ألبتة في خطوطه العامة والضرورية .
لكننا لا يمكن أن نعزل الفيلسوف عن “دازاينيته”، أول لنقل تقريبا لهذا المفهوم “آنيته”، الفيلسوف في النهاية “سياق”، وليس “وحيا ” وهنا تكمن أولى خطوات التمييز بين الديني والفلسفي ، رغم أن الوحي نفسه يراعي الآنية مراعاة كلية و حينا ما أبدية “قابلية الوحي للتكيف عبر التزمن” .

الفيلسوف إذن منتوج تاريخي تحكمه “الأمة” حكما غير قابل للإفلات ، تحكمه من منطلق سطوة سارية في الفكر نفسه، إلا أن نبش هذه المسألة قد لا يكون مستوفيا لكل أنماط الاكتمال إلا مع الفلاسفة الألمان رأسا ، بحيث لا ينبجس التفلسف إلا تحت هدي سؤال الروح فمن فيخته وهيجل مرورا بنيتشه وليس انتهاء بهيدجر نجد هذا الحضور الكثيف لمسألة الأمة .

من الواضح أن موقف فيخته يبدو جليا من خلال “خطابات إلى الأمة الألمانية” deden an die deutsche nation 1808م
ولا تكاد كتب هيجل الشبابية -خاصة- إلا أن تكون تجسيدا لهذا الزعم حيث هذا القلق و الشغف المستمر بضرورة حل مأساة ألمانيا، ههنا يمكن أن نؤكد تنزل الثورة الفرنسية ضمن وعي هيجل الشاب أيام معهد توبنغن رفقة حلقته شيلنج وهودرلين؛ واعتباره هذه الثورة كما لو كانت “كالشمس التي تشرق من فرنسا لتضيئ بنورها الساطع مأساة ألمانيا “، المؤكد أن هيجل الكهل سنوات بعد تولي كرسي الفلسفة في جامعة برلين أصبح ينظر للثورة الفرنسية بمنظار مختلف، غير أنه لم يتجاوز أحلام الشباب إلا ضمن تحديد واضح ومتماسك لمفهوم الأمة يغلب عليه التروي وتجاوز المتناقضات التي أفرزها الفراغ الذي خلفته الثورة .
أما فيما يتعلق بنيتشه فإني أحصيت له ثلاثة نصوص ضمن ثلاثة كتب تشكل مسار نيتشه الفلسفي بدء بمولد التراجيديا 1870م وصولا إلى أفول الأصنام خريف 1888م وكلها نصوص تؤكد وجاهة الأمة الألمانية وحضورها ضمن وعي الفيلسوف المرهف ، يتحدث نيتشه بشغف في الفصل الخامس من مولد التراجيديا وهو حينها الشاب اليافع عن “الآمال المباركة لانتشال الروح الألمانية ” من خلال تجاوز أوهام النظرة التفاؤلية المتكئة على العلم والنفوذ إلى إمكانيات حثيثة لمولد التراجيديا ؛ غير أنه في أفول الأصنام يتساؤل بشكل صريح ما ذا ينقص الألمان ؟
ينتهي نيتشه تحت هذا الاستفهام إلى إبراز وجه التعارض بين السياسة والثقافة ليؤكد اختطاف روح ألمانيا من قبل ما هو سياسي يفرض سطوته ويمارس خشونة الفكر و يواصل إغراق ألمانيا بتجاوز ما هو جوهري ضمن بنيتها الروحية ، أما بخصوص هيدجر فإن الأمر يبدو مختلفا نسبيا ذلك أن خطاب “الجامعة الألمانية” وهو الخطاب الذي تلاه إبان رئاسته لجامعة فرايبورغ 1933م يؤسس لهذه المحافظة على ما هو ألماني وضمن حدود أَوَّلَهَا الخصوم وفق مجالات قد تصل إلى حد الإقصاء ويكفي هنا التنبيه إلى ما بلوره هابرماس تحت العنوان التالي :مارتن هيدجر عمله ونظرته إلى العالم .

لكن بالعودة إلى مسار سؤالنا المتعلق بتحديد الروح يمكننا أن نطرح السؤال التالي :لماذا كان شوبنهاور أوروبيا صالحا ولم يكن ألمانيا ؟حسب نيتشه .
الجواب بسيط وهو أن روح ألمانيا تشكلت وتحددت ضمن حدود تميزها عن ما أوروبي وليس لشوبنهار أي انتماء لهذه الروح ، ألم نك قد حددنا طابع الروح الألمانية في ثنائية العقلانية الاستعابية والبعد الديني للوجود .
شوبنهاور يخل ببساطة بالتحديد الثاني ويتجاوز هيجلية ألمانيا المبنية على ربوبية الوجود دون الإخلال بصيرورة المفهوم يقول نيتشه”لقد كان شوبنهاور باعتباره فيلسوفا أول ملحد معلن وعنيد وجد بيننا نحن الألمان، وهنا كان يكمن السبب الحقيقي لعداوته مع هيجل”.

كل هذا يحتم علينا مواصلة الاستئناف عربيا لسؤالنا أعلاه ، مواصلة تفك الارتباط مع ما هو رهين الكونية المضللة ،بحيث يجب أن يكون الفيلسوف في المقام الأول حاملا للواء وطنه و أمته، ذلك أن أي تفلسف آخر مهما حمل لواء الكلية سيظل أعرجا في حدود المجال الذي يتحرك الفكر ضمنه، إذا هو لم ينطلق من هذا الخاصي الذي يراد به العام ، انطلاقا قبليا وحاسما من أجل بلوغ كونية متماسكة لا تعدم السياق الروحي الذي ينتصب فيه كل تفكير فلسفي أصيل، ودون أن يعني ذلك تقصيرا في سبيل كونية منشودة وضرورية لبناء النسق العقلي والروحي للبشرية نفسها .

لا أريد تقديم إجابات حاسمة حول هذا السؤال رغم أن إجابة الراحل محمد عابد الجابري تبدو مغرية في تحددها الأولي “نحن أمة بيان”، بقدر ما أريد إثارته من خلال هذه الإشارات وطرحه طرحا يفسح الأفق أمام إمكانيات تشمل نسقا من الإجابات المفتوحة من أجل بلوغ ثورات عربية تحدد روح ما هو عربي صرف ، دون أن يعني ذلك أخذ إغماءة عن كونية تشكل المبتغى وليس المنطلق ،المنطلق دائما تاريخي جغرافي، روحي، آني، وههنا نكون على أعتاب مراجعة الكونية في تقابلها مع الروحي مراجعة لا تنفك عن إعادة التصحيح لما هو فلسفي أصيل .

غير أن عدم تقديمي لإحابات لا يعني حيادي اتجاه بعض متفلسفة الإسلام على غرار ابن رشد ، فحكيم قرطبة يمكن أن يكون يونانيا صالحا لكنه يكاد يكون مستحيلا عليه أن يكون فيلسوفا عربيا بحكم الروح، وهنا أيضا لا نختلف مع الجابري في كون ابن رشد كان وجه العرب العقلاني الذي شكل نقطة استئناف حاسمة للغرب ،ابن رشد يعني للغرب أكثر مما يعنيه لنا هذا ما تخفيه صيغة الجابري الحاسمة ، غير أن هذا لا ينفي وجهة نظرنا إلا حين يؤكدها تأكيدا حاسما .
قد ينافح البعض ضد هذه الصيغة الإقصائية لطابع الروح، لكن الحقيق بالذكر هو أننا كعرب مثل غيرنا من الأمم لا نعدم حيز الروح إعداما تاما ولا ننفصل عن كونية مطلوبة وضرورية من أجل إنسانية مرهقة، ولكننا بالفعل لن نكون بدون روحنا، لكن نكون بدون تحديد تخوم روحنا وتبيين حدودها تبيينا حاسما ، ومن ثمة يكون الحديث عن الكونية -باعتبارها منتهى- أمرا ضروريا ولا محيد عنه …

وحسبنا أن نؤكد هذه الإشارات والتنبيهات في ضوء محاولة خلق مستوى من النقاش الرفيع لمعاودة سؤال البدء ما هو الشيء الذي هو عربي ؟

شاهد أيضاً

إن للألم عندي معنى، سيادة الرئيس ! /محمد فال ولد سيدي ميله

بنتٌ أنا، لكن لا كالبنات!!.. نهاري هراوات ومتفجرات ودخان وضرب بالعصيّ على المقاتل.. ليلي كوابيس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *