الرئيسية / ثقافة وفن / “وڲاف حانوت أدويره”/ الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة ولد ببانه رحمه الله

“وڲاف حانوت أدويره”/ الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة ولد ببانه رحمه الله

كتب الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة ولد ببانه رحمه الله:

“وڲاف حانوت أدويره”.
شكلت مدينة “أدويره” إحدى أولى “المدارس التجارية” الموريتانية.. نقطة التقاء للموريتانيين في أول صدمة المدينة، والتجارة المدنية/ الريفية.. كانت ملتقى ومعبرا للقادمين والرائحين بين الشاطئ العربي والإفريقي.. أيام كان الوطن واحدا.. كانت “أدويرة” معبرا لكثير من السياسيين والمثقفين والشعراء. وحيثما وجدت التجارة عبرت السياسة والثقافة..
في بداية القرن الماضي، كانت “أدويره” بالنسبة للموريتانيين بمثابة “هونغ كونغ”.. وكان العائد منها إلى الأرياف الموريتانية عائد من “كوكب الحوائج”.. حاملا المواد الغذائية والملابس ومؤن أهل البادية..
من “أدويره”، انطلق بعض أول التجار الموريتانيين في العصر الحديث… كم نحن بحاجة من خلال تاريخ هذه المدينة إلى من يروي جزئية مهمة من حياة شعبنا في نقطة تحول معينة.. ذلك مجال آخر من اختصاص الرواة والباحثين والمؤرخين..
ما يهمنا هنا هو قصة “وڲاف حانوت أدويره” و هي من أشهر القصص التي حفل بها مجتمع “أدويره” آنذاك.. حكى لي هذه القصة الطريفة أحد أعلامنا الأخيار. ارتأيت أن أوردها هنا لرمزيتها و ما تحمله من دلالات و عبر.قصة هذا الحانوت أنه كان الأكبر من نوعه في المدينة وكان صاحبه من أكبر ملاك الثروة التجارية آنذاك.. وكان يعمل في الحانوت عشرات البائعين والمساعدين، وذات يوم دخل عليهم شاب وسيم، في مقتبل العمر وطلب من رب الحانوت تشغيله.. فوافق هذا الأخير، وبدأ الشاب الوافد يتعلم عمليات البيع والشراء وتنظيم البضاعة وتفاصيلها.. ولأنه كان شابا يطفح حيوية ونشاطا فقد تعلم بسرعة قياسية، وأبلى في العمل بلاء حسنا، فقد أصبح الحانوت نظيفا، وبضاعته مرتبة بشكل جيد وجذاب وكان يعامل الزبائن بأخلاق طيبة تجعلهم يعودون إليه كل مرة، بل ولا يساومونه في الأسعار.. مضت فترة وتمكن خلالها “الوڲاف ” من إثبات جدارته، والوقوف على قدميه كأفضل عامل ماهر في التجارة.. ولم يكن ذلك إلا الخطوة الأولى.. فخلال إحدى جلساته مع رب عمله قال”الوڲاف”: ألم يتحسن العمل في الحانوت قليلا”.. فرد رب العمل “بالطبع.. أرباحنا تضاعفت بفضلك أنت.. وأصبحنا منظمين ولا يمكن لأحد منافستنا الآن”.. فرد “الوڲاف” قائلا: “لم أقم بأي شيء حتى الآن.. لأن زملائي لا يعرفون التجارة.. وكنت أطمح لأن نضاعف الأرباح أكثر، وأن نحول الحانوت إلى مؤسسة كبيرة تقوم خلال المستقبل بفتح فروع لها في مدن أخرى… لم يتردد رب الحانوت في اتخاذ ما اعتبره قرارا تاريخيا مفصليا في حياته المالية والتجارية.. فجمع عماله وأصدر قراره بتولي “الوڲاف” إدارة الحانوت وكل شؤونه.. بل وأعلن رب العمل أنه سيتوجه للبادية للاستمتاع بعطلته لأنه متعب من الإشراف على العمل منذ سنوات.. ولأنه الآن وجد الرجل المناسب في المكان المناسب.. أو “الوڲاف” المناسب في الحانوت المناسب.
شعر “الوڲاف” أن الجو خلا له، فتخلص أولا من زملائه الذين يدينون بالولاء لرب الحانوت.. واكتتب عمالا جددا يضمن ولاءهم له، وتوجه نحو موردي البضائع مقدما طلبيات كبيرة لم يترددوا في إدانتها ل”الوڲاف” المعروف بجودة عمله وانضباطه وخبرته التجارية.. وخلال أسابيع كان الحانوت في أبهى صوره فقد تضاعف رصيده من البضاعة، وازداد زبائنه ومودعوه.. وكانت أخبار هذه “الإنجازات” تصل أولا بأول لرب العمل في باديته، وكان تطور الحانوت حديث سكان المدينة.. وهكذا استمرت الأمور.. إلى أن علم “الوڲاف” بأن رب عمله ينوي القدوم لإجراء الحسابات.. فأخذ “الوڲاف” يبيع بضائع الحانوت بأسعار مخفضة ولا يشتري بضائع جديدة، ثم جمع الأموال وأضاف إليها الودائع، وقام بتهريبها إلى “مكان آمن” خارج البلد.. وبالمقابل أخذ آلاف الكراتين الفارغة وملأ بها الحانوت بحيث يتصور من دخله أنه زاخر بالتجارة، عامر بالخير، كما يقولون،.. وهي الصورة التي تولدت لدى رب الحانوت فور عودته، حيث أخذه “الوڲاف” إلى غرفة داخلية وأغدق عليه بالضيافة والحديث الودي الطريف.. وقال له “اليوم استرح.. وغدا نقوم بجرد البضائع وإجراء الحسابات”.. الشيء الذي وافق عليه رب العمل بكل طيبة نفس، فأخذ لنفسه قسطا من الراحة عقب يوم سفر شاق، وما إن صلى العشاء حتى غط في نوم عميق.. عكس “الوڲاف” الذي استخرج حاوية بنزين ودخل الحانوت من باب خلفي وسكب البنزين وأشعل عود ثقاب ليخرج بسرعة ويدخل على رب عمله ويتكئ جنبه وكأن به خؤولة من أهل الكهف..
تصاعدت أعمدة الدخان من الحانوت قبل أن تتبعها ألسنة النيران ملتهمة الحانوت في ثوان حتى قبل أن ينتبه الحراس والعمال النائمون داخله والذين توفي بعضهم وأصيب البعض الآخر إصابات بليغة.
فيما هرع سكان المدينة إلى مكان الحريق حاملين ما تيسر من أدوات نجدة، كان رب العمل في الغرفة الداخلية يعاني من ضيق التنفس جراء الدخان وكان يحاول إيقاظ “وقافه” ليستطلع الأمر دون جدوى.. فـ”الوڲاف” المخلص يغط في نوم عميق مصطنع.. لكن الجلبة أيقظته في النهاية ليخرج هو ورب عمله من باب آخر ويهرعا إلى المشهد المروع حيث آلاف العيون الشاخصة تتفرج على النيران التي التهمت الحانوت.. “حجاب” ..”عين”.. عبارات تطايرت من أفواه المتفرجين وسكان المدينة البرءاء.. ورب العمل الحليم..
لقد مات ضحايا، ورقد آخرون فيما توفر من عناية طبية تقليدية.. وأصبح حريق حانوت أدويرة الموضوع الوحيد للنقاش والتكهنات بين جموع العامة والخاصة..
بالنسبة لرب العمل لم يكن هنالك أي مجال لإجراء الحسابات.. ف”الإنجازات” التهمها الحريق قضاء وقدرا.. والحريق لا يفرق بين بضائع الحانوت وديون مورديه ورصيده المالي والودائع..
انطلت الحيلة على الجميع في المدينة وعلى رب العمل… الذي ودع “وقافه” بدموع حارة، مؤكدا له أنه لن يدخر جهدا في سبيل جمع مبلغ يكون بداية جديدة لهما..
ولأن أضعف رائحة لأي جريمة أقوى من أن تخفيها كل الأغطية مهما كانت سماكتها… فما هي إلا أيام، وأصبحت الحقيقة معروفة لدى الجميع.. قام “الوڲاف” بحرق الحانوت لإخفاء أثر جريمته ومخطط الخيانة الدنيء الذي رسمه وسهر الليالي من أجل تنفيذه.. لقد كان مستعدا أن يحرق كل شيء عمومي و يزهق الأرواح البريئة من أجل الاستيلاء على شيء من مصلحته الخاصة.
هل من هنا انطلقت عقدة الموريتانيين من الأنظمة الحانوتية التي تعاقبت على رقابهم؟.. العقدة من الحاكم الذي يقنبل البلد ويحرق أوصال الأمن والاستقرار الاجتماعي، ويحرك المياه القبلية والشرائحية والعرقية العكرة من أجل الاستيلاء على كل شيء – تافه في النهاية- ومن ثم حرق البلد لإخفاء جريمته؟!.

شاهد أيضاً

من روائع الشيخ/مصطفي نزيه بلال رئيس إيرا ساحل العاج

  مان گاع امكثر لخبارْ ولان مجرد تيت البيظانْ ولان محملهم تيت اوزارٔ ولان محملهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *