الرئيسية / مقالات / ملاحظات حول مسطرة تعويض ضحايا الحوادث المرورية [المعالجة التشريعية والقضائية الموريتانية].

ملاحظات حول مسطرة تعويض ضحايا الحوادث المرورية [المعالجة التشريعية والقضائية الموريتانية].

دون يَعَمُّق؛
تعدُّ الحوادث المرورية من أكثر القضايا إثارة للاهتمام الوطني اليوم، بالنظر الى نتائجها الفادحة و الباهظة التي تصيب النَّفس والبدن والمال مشكِّلةً عبئا اجتماعيا واقتصاديا ثقيلا و مؤرقا، يتفاقم بتزايد العربات البرية ذات المحرِّك، وتعقُّد حركة المُرور، و ضعف شبكة الطرق الحضرية، و سعي شركات التأمين الدؤوب إلى حماية مصالحها، بالإضافة الى ضعف الثقافة المرورية.
فبنظرة خاطفة على الارقام المتوفرة عن الحوادث المرورية يظهر لنا ان كل مائة الف نسمة من مجمل سكان البلد تموت منها 35 نسمة سنويا (35/100.000)، وانه في الفترة ما بين: 2003/2015 تم تسجيل 103.301 حادث سير راح ضحيتها: 2667 قتيلا و 37.509 جريحا، ارقام تخفي وراءها أضرارا لا يمكن تداركها إلا من خلال سنِّ جملة من الاجراءات الحازمة و المتكاملة، في مجال الوقاية والتعويض.
وعند الحديث عن التعويض لا بُدَّ من تخطّي ما استقر عليه الفقه القانوني تقليديا من تأسيسه على الخطأ، فإذا كان الخطأ التقصيري عموما منحصر في ترك ما هو واجب فعله او فعل ما وجب تركه بغير قصد الضرر او بقصده، وهو موجب التعويض سواء كان مثبتا او مفترضا يقبل الدليل المعاكس او لا يقبله، او كان اساس التعويض التبعية او الضمان او الحلول او النيابة ، فان المشرع اعتمد نظاما قانونيا خاصا بإقرار الحق في التعويض بصرف النظر عن فكرة الخطأ، فالتعويض في الحوادث المرورية يكون عن الاضرار التي لحقت بالأشخاص دون امكانية معارضتهم بالأخطاء او بالقوة القاهرة او بالأمر الفُجائي، او بفعل الغير، وهو ما يعطي له ميزة الاستثناء من القواعد العامة تلزم بالتعويض عن الاضرار الناتجة عن الحادث لفائدة المتضرر، او خلفه عند الوفاة، وتمنع الاحتكام الى القواعد العامة المذكورة في قانون الالتزامات والعقود، إلا اذا لم تكن شركة التامين طرفا في القضية و في هذه الحالة يمكن ان توجه الدعوى ضد المسؤول المدني عن الحادث على اساس المبادئ العامة الواردة في قانون الالتزامات و العقود.
ومن هنا جاءت فكرة إفراد التعويض في مجال التامين بعمل تشريعي مستقل عن تلك الاحكام العامة المنظمة بالمواد:97؛98 وما بعدها في بابها من قانون الالتزامات والعقود استجابة للرغبة الجامحة في ضمان تعويض عادل للمتضررين بوضع نظام تعويضي متكامل سواء من حيث تحديد الاطراف الذين لهم الحق في التعويض (المتضرر او الخلف)، أو من حيث بيان المسئول المدني الحارس القانوني المالك او الماسك للوسيلة، او الحارس الفعلي الذي يملك سلطة التوجيه والإرادة والاستعمال بصرف النظر عن الملك، او من حيث الحَوْز القانوني، أو من حيث ضبط اسس التعويض ونوعية الاضرار ، أو من حيث اجراءات الدفع و التسوية.
إن هذه العقيدة الفقهية تم تبنِّيها بصورة تدريجية من قبل المشرع الموريتاني بدءا من معالجته التشريعية لموضوع التامين من خلال القانون رقم:020\76 بتاريخ:27\01\1976 المتضمن و لأول مرة إجبارية التأمين على العربات البرية ذات المحرك، و الذي المعدل بالأمر القانوني رقم:016/91 بتاريخ:20 يوليو 1991، الذي كُمِّل بالأمر القانوني رقم:039/91 بتاريخ:08/12/1991 الذي استبدل بالقانون رقم 040\93 بتاريخ:20 يوليو 1993 المتضمن مدونة التأمينات المعدل بالأمر القانوني رقم:026\2007 بتاريخ:9 ابريل 2007، الساري حاليا، والذي تنطبق قواعده على جميع عمليات التأمين الخاضعة للقانون الموريتاني، ويعتبر قواعده غير المضمنة في هذا القانون والتي يمكن ان تكون مناقضة له بمثابة قواعد غير مدونة، وصولا الى معالجة مَسْطَرَة التعويض لضحايا الحوادث البرية من خلال القانون رقم:047/2011 بتاريخ:13 نوفمبر 2011 المتعلق بمسطرة تعويض ضحايا الحوادث التي تسببت فيها عربات ذات محرك.
فمنذ استحواذ الدولة الناشئة على التامين بموجب المقرر رقم:316 بتاريخ:28\10\1960 المتضمن اعتماد شركة التامين و إعادة التامين الفرنسية:Groupement française d’assurance، تمَّ وضع يد الدولة الوطنية على مجال التامين بالأمر القانوني رقم:017\91 بتاريخ:20\07\1991 المتعلق باحتكار الشركة الموريتانية للتأمين وإعادة التامين المعدل بموجب القانون رقم:008\93 بتاريخ:09 يناير 1993، والتي أفلست نتيجة لعدة عوامل منها انهاكها قضائيا بالأحكام الصورية نظرا؛ لعدم الاكتراث الاجتماعي بالرأس مال العمومي، ما ادى بالدولة إلى ان تتجه الى خوصصة قطاع التامين بحل هذه الشركة بموجب المرسوم رقم: 002/94 بتاريخ:03/01/1994 القاضي بحل الشركة الموريتانية للتأمين وإعادة التأمين، وعلى انقاضها شاركت الدولة في التامين بشركة نصر بموجب المرسوم رقم:119/93 بتاريخ:11/12/1993 المتعلق بإنشاء الشركة الوطنية للتأمين وإعادة التأمين نصر، لتَتْرى بعدها التراخيص بمقررات وزارية يصدرها الوزير المكلف بالتأمينات صدرت تباعا وفي فترات متقاربة وصلت حاليا 16 شركة تأمين ناشطة في السوق الوطني للتامين تتفاوت في الجدية و جودة الخِدمات.
أمام هذا الواقع تتشعب الاشكالات التي تتلخص أساسا في البحث عن كيفية تحقيق التَّوازن بين مصلحة الضحايا من جهة، و مصالح شركات التأمين الباحثة عن الربح، ومصلحة الدولة التي يقع على عاتقها بالدرجة الاولى أمن وسلامة المواطنين، ومن هنا كان لا بد من معالجة ومَسْطرة تعويض الحوادث التي تسببت فيها عربات برية.
يتبع.
نشرت هذه الحلقة الاولى في العدد 36 من مجلة الدرك الوطني بالصفحة:22.

هارون ولد إديقبي

شاهد أيضاً

عام على البرلمانية… مشروع الحلم/السالك زيد

في وسط عام 2019 تناهى إلى علمي، عزم البرلمان على اختيار فريق من الصحفيين، للعمل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *